الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٥٩٣

11

الأباضية في موكب التاريخ

الأباضية في تونس

أكثر مجالسه، ويسجل ما يقع فيها من مناقشات علمية أو مداولات في الشؤون السياسية، والاجتماعية، ويهتم بصفة خاصة بالنواحي التاريخية، فيسجل الأحداث تارة بالسنوات، وتارة بالشهور، فيقول مثلا: اجتمعت مع شيخي عمنا يونس بن تعاريت عام 903 م"، أو يقول: وقع لعزابة جربة اجتماع عند شيخنا الفاضل الهمام أبي النجاة عمنا يونس بن سعيد بن يحيى بن تعاريت … الخ، وهكذا كان هذا الطالب النجيب، لا يترك شيئا هاما يحدث في مجالس أبي النجاة دون أن يسجله باختصار، ويبدو أن سلامة هذا لم يعن فيما بعد بتنسيق تسجيلاته وملاحظاته، وَإِنَّمَا تركها هكذا لتكون مادة علمية مجردة عن رأي المؤلف، وطريقته هذه شبيهة بالطريقة التي سلكها من قبله مؤلفوا اللقط، ولو جمعت هذه التسجيلات لكانت كتابا قيما، يعطي صورة حقيقية للجزيرة في عصر من العصور. كان أبو النجاة فضلا عن رئاسته لمجلس العزابة إماما من الأئمة الأعلام، إليه المرجع في العلم والرأي والسياسية، وكانت جميع الاجتماعات في جربة تعقد تحت رئاسته، سواء كانت تلك المجالس من العزابة أو من غيرهم، فتناقش المشاكل الناجمة بين يديه، وإلى آرائه ينتهي القوم فيما يفعلون وفيما يتركون، ولعل من أهم الأحداث الواقعة في زمنه أحداث القرصنة، ومهاجمة الأساطيل الإفرنجية للشواطئ الإسلامية، وعدوانها على ثغور البحر الأبيض المتوسط. وقد تولى كثير من مؤرخي الجزيرة تفصيل تلك الأحداث وما يقوم به أهل الجزيرة الأبطال من الدفاع، بتوجيه وقيادة العلماء ومشايخ العزابة، ولعلّ في الحادثة الآتية الدليل الكافي عما يتمتع به العلامة أبو النجاة من إيمان راسخ وعقيدة لا تتزعزع، وحب للإسلام، واستماتة في الدفاع عنه، وما يتمتع به من دراسة عميقة للنفس البشرية، ومعرفتها معرفة صحيحة. نشطت القرصنة الأسبانية في ذلك الحين، ووالت هجومها على الشواطئ الإسلامية، وبدأت تحتلها من ناحية الغرب، فاحتلت بجاية، ثُمَّ الْمرسى الكبير، ثُمَّ وهران، ثُمَّ طرابلس، وكان المخطط الإسباني يضع جميع الثغور الإسلامية تحت سهام موجهة حسب وبعد احتلاله لتلك المراسي كان يأمل أن يحتل غيرها، ومنذ احتل الأسبان بجاية علم أهل جربة أنه سوف توجه إليهم ضربة من ضربات القراصنة، وإن عليهم أن يختاروا

الأهمية،