الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٧٤١بهم
الأباضية في موكب التاريخ
الحجة على
الله
739
الأباضية في تونس
هذه الصورة البشعة التي كان يتعرض لها أهل جربة أحيانا من إخوانهم في الدين، ومع وأحيانا أخرى كثيرة من أعدائهم في الدين والوطن، فإنهم كانوا يرتضون ما يجره عليهم حكم إخوانهم ويسكتون، له ولكنهم لم يطأطئوا رؤسهم بذلة أمام أعداء الله، ولم يسكتوا عن ضيم منهم، ولم يرضوا عن عبودية تفرض عليهم، ولم يقفوا مكتوفي الأيدي عما ينزل: الظالمون، فلقد كتبوا أمجد صفحة في الدفاع عن الدين والوطن، وسجلوا انتصارات تكاد تكون صورا حية للانتصارات التي سجلها الْمُؤمنون الصادقون في صدر الإسلام، وأقاموا الْمُسلمين في كل عصر وفي كل مكان فقد أثبتوا بمواقفهم الرائعة أن النصر لا يتوقف على العدد ولا على العدة، وَإِنَّمَا يتوقف على ما يزخر به قلب الْمُؤمِن من محبة للقاء واستعداد كامل للحصول على الشهادة، ورغبة أكيدة في الموت في سبيل ا الله، وكما انتصرت القلة على كثرة في بدر، وفي الأحزاب وفي مؤتة وفي اليرموك، وفي جربة، يُمكن أن تنتصر القلة على الكثرة في كل مكان وفي كل زمان إذا توافرت لها الإمكانيات الروحية التي كانت عند الجيوش الْمُؤمنة، وهي تقاتل في سبيل الله أعداء الله. ومن أوائل القرن السادس إلى منتصف القرن العاشر والإفرنج لا يكفون عن غزو جزيرة جربة، وإزعاجها بأساطيلهم وقواتهم، وقد يتغلبون عليها مؤقتا، ولكنها سرعان ما تثور عليهم فتلقي بهم وراء البحر، وقد تنتصر عليهم من أول الأمر فتردهم خائبين، ولعل أعظم المعارك التي وقعت بين جربة وبين الغزاة الإفرنج هي كما يلي: 1 - في سنة 529 هـ هجم الإفرنج على جربة على حين غفلة من أهلها ودون توقع فاحتلوها وقتلوا عددا كثيرا من أهلها. 2 - في سنة 548 ه ثار أهل جربة على حامية الإفرنج الموجودة في الجزيرة، وأجلوها
عن وطنهم.
3 - في نفس السنة 548 هـ ما علم الإفرنج بثورة أهل جربة على حاميتهم وإخراجهم لها حتى كونوا أسطولا ضخما جهزوه بكل المعدات وهجموا على جربة فاحتلوها بعد معركة
طاحنة، وأخذوا كثيرا من سكانها المسالمين أسرى، فباعوهم في الأسواق الأوروبية عبيدا.