الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٧٤٠الأباضية في موكب التاريخ
738
الأباضية في تونس
كفاح الصليبية الخانقة
في هذا الفصل أحاول أن ألخص للقارئ الكريم ذلك الكفاح المجيد الذي قام به أهالي
جربة الأبطال في دفاع الغزو الأجنبي، الذي كانت تقوم به الصليبية الحانقة على السواحل الإسلامية في بلاد المغرب الإسلامي، إما على سبيل القرصنة والسرقة، وإما لاحتلالها والانتقام منها فيما تزعم، وفي الفترات العصيبة التي كانت الأمة الإسلامية في بلاد الْمَغرِب تحت حكم دويلات متقطعة متخالفة المقاصد، وإمارات مستبدة متغطرسة تعاني أقسى أنواع الظلم من الحكام المحليين الذين لا يهمهم من مظهر الحكم غير ألقاب فخمة يطلقونها على أنفسهم، مظاهر كاذبة للعظمة يزينون بها مجالسهم ومواكبهم، وضرائب متتابعة يفرضونها، وأموال كثيرة يجمعونها، يزينون بها مجالسهم ومواكبهم وعقوبات مؤلمة ينزلونها على شعوبهم، في هذه الظروف العصيبة كانت الأمة المؤمنة تنظم شتات قوتها لتدافع بما بقي لها من عزة الْمُؤمنين أعداء الله وأعداء الوطن، فكان الناس يدافعون عن بلادهم في الثغور الإسلامية مثل بجاية، ووهران، وقابس، وطرابلس وغيرها، دون أن يمدهم أولئك الذين يتمرغون في النعيم - بما ابتزوه من أموال ليس لَهُم الحق في ابتزازها في كثير من الأحيان بأي مساعدة، ولقد كانت أكثر الثغور البعيدة عن مراكز الحكم تعاني ألوانا من الظلم من الحكومات والولاة المحليين من جهة، وتكون عرضة لضربات الغزاة من المعتدين الإفرنج من جهة أخرى، وعليها وحدها أن ترد عدوان الإفرنج، فهي تعيش بين نارين.
ولقد كانت جربة من هذه الثغور التي يُحاول الغزاة الغربيون احتلالها والاستقرار بها، ليتخذوا منها قاعدة في حروبهم وغزواتهم، وكان الأمراء في تونس وطرابلس لا ينفكون عن النزاع عليها ومحاربتها واحتلالها، أو افتكاكها من بعضهم البعض، وفي كل معركة هذه المعارك التي يتبادلها الإخوة طلبا للحكم يتعرض الناس لأشد أنواع البلاء والمحنة والانتقام؛ فيقتل شبابهم وتصادر أموالهم، وتفرض عليهم غرامات وضرائب، وقد يتعدى الأمر كل ذلك فيؤدي إلى استحلال ما حرم الله من أعراض الناس وهتك حرماتهم.
من