الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٧٤٣الأباضية في موكب التاريخ
741
الأباضية في تونس
يرى القارئ الكريم أن أهل جربة وحدهم هم الذين يقومون بهذا الكفاح الرائع، إذا استثينا ثلاث معارك ساعدهم في أولاها عبد الْمُؤمن بن علي، وساعدهم في الثانية أبو بكر الحفصي، وساعدهم في الثالثة أبو فارس عزوز.
تلك
كان أهل جربة يقومون بهذا الدفاع المجيد دون أن يساعدهم أحد في الميدان غير من ذكرنا آنفا، رغم أن الدول التي كانت تتعاقب على حكم تونس في جميع الحالات كانت تحسب جربة تابعة لها، وكانت لا تنفك تطالبها بتسديد الضرائب
وتقديم الأموال، وكانت جربة تقدم لها ذلك عن رضى، وتعترف بتبعيتها لها، بل وتطالب بالبقاء تحتها، أو الانضمام إليها في بعض الأحوال، عندما يُحاول ولاة طرابلس الاستيلاء عليها والحاقها بحكمهم.
لقد استطاعت جربة أن تصمد للدفاع خمسة قرون رغم حرص العدو، وإصراره على الاستيلاء عليها والتحكم فيها، ورغم ازدياد معداته الحربية عاما بعد عام، وقرنا بعد قرن، ورغم إهمال الدولة الإسلامية لها، وتهاون أصدقائها عن نجدتها ماديا في محنها، و استطاعت أن تنتصر انتصارات مجيدة في أكثر المعارك التي خاضها لرد العدو أو طرده من البلاد، وعندما بدأت الدولة العثمانية تمد سلطانها على البلاد الإسلامية، وجاء در غوث لاحتلال الجزيرة وجدها نظيفة من أعداء الدين وأعداء الوطن، ولكنه مع ذلك أصر أن يريق الدم بغزارة، ولقد فعل، ولكن تلك الدماء التي أراقها در غوث كانت دماء زكية لأولئك الأبطال الذين حافظوا على الجزيرة، ودافعوا عنها خمسة قرون وزيادة. كانت جربة قوية عنيدة عنيفة في دفاع الغزو الأجنبي الذي يأتي من خارج العالم الإسلامي، ولكنها كانت لقمة سائغة سهلة الازدراء للأمراء الْمُسلمين، ما يُحاول أحد أن يحتلها حتى تلين له، سواء كان من الدول القائمة بتونس، أو كان من ولاة الجهات، أو القائمين بالحكم في طرابلس، فما السر في هذه القوة التي نجدها لجربة عندما يحاربها المشركون، وهذه الليونة التي نجدها لها عندما يحاربها المسلمون؟ وما هو أثر الحربين من الناحية المعنوية؟
كان
من
إن الجواب على هذه الأسئلة يكون في الفصل التالي إن شاء الله.
منهم