الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٧٤٤الأباضية في موكب التاريخ
742
الأباضية في تونس
أثر الكفاح على أهل جربة
كلما اعتدى الإفرنج على جربة أو حاولوا الاعتداء عليها تلقت ذلك منهم بثبات وصبر، وزادها العدوان عليها قوة وشجاعة وجرأة على المعتدين وردت عدوانهم في نفس الوقت، فإن غلبت ثارت عليهم بعد حين قريب وأخذت بثأرها، وانتقمت منهم لنفسها، ولم يخسر الجربيون في جميع تلك الحروب التي شنها عليهم أنصار الصليبية وقادة القرصنة لا من النواحي المادية ولا العددية ولا النفسية خسائر ذات قيمة، وحسبك أن تعلم أنه في المعركة الكبرى التي استعد لها الإفرنج أكبر استعداد وجهزوا لها أضخم أسطول، وجمعوا لها أكبر عدد من المحاربين حتى بلغ عددهم عشرين ألفا من المقاتلين المدربين، ولم تجمع جربة سوى ثلاثة آلاف فيهم شيوخ عجزة ومراهقون حملوا السلاح لأول مرة في هذه الموقعة التي استعد لها الإفرنج هذا الاستعداد العظيم، وخسروا فيها آلافا من القتلى وما لا يقدر من أموال لم تبلغ خسارة جربة مائة مقاتل على أكثر الروايات مبالغة، وقد استطاعت جربة أن ترد هذا الهجوم العنيف، وأن تكبد العدو أفدح الخسائر دون أن يقوم
بمساعدتها أحد، لا أصدقاؤها، ولا جيرانها، ولا الدولة التي تدفع لها الضرائب. تجد علماءها كانت جربة في جميع تلك الحروب التي يشنها عليها الاستعمار الإفرنجي وصلحاءها ومشايخها في مقدمة المجاهدين؛ يحرضون الناس على القتال، ويأمرونهم بالصبر، ويعدونهم إن هم أخلصوا بالفوز، ويقاتلون العدو كأشد ما يقاتل الأبطال؛ فيقتلون ويأسرون ويغنمون الأموال، ولكنهم حين يتغير الموقف فيشن الحرب عليهم قوم ينتسبون إلى الإسلام؛ سواء كانوا من تلك القبائل الثاوية في الصحراء تحترف الغارة للسلب والنهب، أو أولئك الولاة الذين يبحثون عن الحكم والمال، فيتعاقبون على محاربتها مرة من طرابلس ومرة من تونس وأحيانا كثيرة من غيرهما. إن أهل جربة في هذه الأحوال لا يجدون علماءهم وصلحاءهم في المقدمة كما كانوا يجدونهم في حروب الإفرنج، ولا يسمعون منهم كلمة التحريض والتشجيع على