الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٧٧٢الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
ابن الصغير يرسم صورتين
رسم ابن الصغير صورتين إحداهما للإمام الرستمي والأخرى للدولة الرستمية، فحينما أراد أن يرسم صورة للإمام في الدولة الرستمية قال:
هو رجل جالس على حصير فوقه جلد، وليس في بيته شيء سوى وسادته التي ينام عليها وسيفه، ورمحه وفرس مربوط في ناحية من داره».
رميت له وسادة من أدم فجلس عليها ينتظر فراغ دفن رجل مات».
«وكان إذا جلس الناس وأمرهم بالجلوس لم ينطق أحد بين يديه، إلا أن تكون ظلامة ترفع إليه .. وكان زاهدًا ورعًا ناسكًا سكينا».
فسار بهم سيرة جميلة حمدها أولهم وآخرهم وَلَمْ ينقموا عليه في أحكامه حكمًا، ولا في سيره سيرة، وسارت بذلك الركبان إلى كُلِّ البلدان»
هذه الصورة التي رسمها ابن الصغير لبعض الأئمة في الدولة الرستمية يصح أن تعبر عن كُلّ واحد منهم، مع تغيرات بسيطة لا تتناول جوهر الصورة ولكن الخطوط الجانبية. أما حينما أراد أن يرسم صورة للدولة الرستمية فقد قال:
«قوي الضعيف وانتعش الفقير، وحسنت أحوالهم، وخافهم جميع من اتصل به خبرهم وأمنوا ممَّن كان يغزوهم، ثُمَّ شرعوا في العمارة والبناء، وإحياء الموات، وغرس البساتين، وإجراء الأنهر، واتخاذ الرحاء (1)، وغير ذلك واتسعوا في البلد وتفسحوا فيها، وأتتهم الوفود والرفاق من كُلِّ الأمصار، وأقاصي الأقطار، ليس أحد ينزل بهم من الغرباء إلا استوطن معهم، وابتنى بين أظهرهم لما يرى من رخاء البلد، وحسن سيرة إمامه وعدله في رعيته، وأمانه على نفسه وماله، حتّى لا ترى دارا إلا قيل هَذه لفلان الكوفي، وهذه لفلان البصري، وهذه لفلان القروي، وهذا مسجد القرويين، ورحبتهم وهذا مسجد الكوفيين، وهذا مسجد
البصريين».
(1) الرحاء: جمع رحا، وهي: آلة طحن الحبوب. قال شاعر الجزائر وشيخ صحافتها -رحمه الله-:
هم اخترعوا الرحوات بحافة ينما فحازوا الظفر