الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٧٧٣

الإباضية في موكب التاريخ

الإباضية في الجزائر

والبلد زائدة عمارتها في ذلك كله والسيرة واحدة وقضاته مُختارة، وبيوت أمواله ممتلئة وأصحاب شرطته والطائفون به قائمون بما يجب، وأهل الصدقة على صدقاتهم، يخرجون في أوان الطعام فيقبضون أعشارهم في هلال كُلّ موسم».

ومن أهل الشاة والبعير يقبضون ما يجب عَلَى أهل الصدقات لا يظلمون ولا يُظلمون … ثُمَّ أمر قوما في نفوسة يمشون في الأسواق فيأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فإن رأوا قصابا ينفخ في شاه عاتبوه وإن رأوا دابة حمل عليها فوق طاقتها أنزلوا حملها وأمروا صاحبها بالتخفيف عنها، وإن رأوا قذرًا في الطريق أمروا من حول الموضع أن يكنسه، ولا يمنعون الصلاة في مساجدهم، ولا يكشفون عن حاله ولو رأوه رافعا يديه».

أحدا

من

وكانت خطبهم على المنابر خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب». إن قضاته وأصحاب بيت أمواله وأصحاب شرطته ومن بالبلد من فقهاء الإباضية وغيرهم لم يطالب بعضهم بعضا، ولا سعى بعضهم ببعض، وكانت مساجدهم عامرة، وجامعهم يجتمعون فيه وخطيبهم لا ينكرون عليه شيئًا .. إلا أن الفقهاء تناجت بالمسائل فيما بينهم وتناظرت، واشتهت كُلّ فرقة أن تعلم ما خلفتها فيها عاقبتها ومن أتى إلى حلق الإباضية من غيرهم قربوه، وناظروه ألطف مناظرة، وكذلك من أتى الإباضية إلى حلق غيرهم كان سبيله

كذلك.

أحسب أن هاتين الصورتين اللتين رسمهما ابن الصغير بقلمه البليغ كافيتان لإيضاح ما نرمي إليه، أو ربما كانتا هما خلاصة هذه المباحث الطويلة، وهذا الكتاب الثقيل فللمستعجل أن يكتفي بهما عن باقي الفصول.

وابن الصغير كما يعلم القارئ الكريم معاصر لهذه الدولة، وهو مخالف لها في المذهب، وقد صرح في كتابه أنه يبغضها؛ لأنه عَلَى غير مذهبه، ولَكنَّه مع بغضه لها لا ينكر الحقائق التي يعرفها وشاهدها، وهو يقول ذلك بصراحة وقوة فاستمع إليه:

«وأنا أتحرى فيها الصدق، ولا أحرفها عن معناها ولا أزيد فيها ولا أنقص منها، إذ النقص في الخبر والزيادة فيه ليس من شيم ذوي المروءات، ولا من أخلاق ذوي الديانات، وإن كنا للقوم مبغضين، ولسيرهم كارهين».