الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٨٠الإباضية في موكب التاريخ
YA
نشأة المذهب الإباضي
يهدم الجسور التي تمر بها القطر الظالمة، أو يقتلع أسس القلاع التي تجمع ذخيرة الجبابرة، حينئذ يعتبر في منزله وبين أهله، وهم في كُلّ ذلك لا يحل لهم أن يروعوا الآمنين، أو أن يسيئوا إلى المسالمين، إنَّه تنظيم رائع للفدائية في الإسلام عندما يتحكم الظلم، ويستعلي عبيد الشيطان، وتعطل أحكام الله بأحكام الإنسان، يقول أبو إسحاق: "الشراء من أخص أوصاف الإباضية".
فإذا رضيت الأمة بالذل، واستسلمت للظلم، وجرى عليها حكم الطغاة، ولم يقم فيها من يثور لكرامة الإسلام المهدرة ولا لشرف الرسالة التي أعزت الإنسانية. وتغلب حب الدعة على كُلّ فرد، وركن الجميع إلى الراحة، فلم تتكون حَتَّى الفدائية التي تَقُض مضاجع الظالمين. وتذكرهم أن حكمهم لن يقر، وأن كراسيهم لن تستقر، وأن المقاومة لا تزال هي أمل المؤمنين، وَأَنَّهُم سوف يحاسبون أمام الله والأمة حسابا عسيراً.
إذا ضعفت الأمة حَتَّى عن هذه المرتبة، أصبحت تحت التنظيم الأخير، تنظيم الكتمان، وعندئذ يجب أن يبتعد المؤمنون عن مساعدة الظالمين بتولي الوظائف الظالمة، وأن تتولى شؤونهم جمعيات تبث فيهم هداية الله، وتملأ قلوبهم بالإيمان بالله، وتنشر فيهم المعرفة والثقافة الإسلامية التي تبصرهم بدين الله فلا تكون علاقتهم بالظالمين إلا في أيسر طريق، وأضيق محال، فيما يتعلق بجباية الأموال المفروضة عليهم للحاكمين، وهي الجمعيات، أو
ما يُسمى في التنظيم الإباضي بـ"حلقة العزابة".
©©©