الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٧٩الإباضية في موكب التاريخ
VV
نشأة المذهب الإباضي والثورة على الفساد، والثورة على الانحراف عن دين الله في كل مظاهره وأشكاله: والزعيم الذي يقود هذه الثورة " إمام دفاع "، وله على الأمة الثائرة حق الطاعة والامتثال مادامت الثورة قائمة، فإذا استقرت الأمور، ورجعت إلى الهدوء والاستقرار، أصبح واحد من أفراد الأمة له، حقوقهم وعليه واجباتهم ورجوع الأمور إلى نصابها يكون بأحد أمرين، إما نجاح الثورة، وَإِمَّا فشلها. ونجاحها يكون بأحد أمرين، إما استجابة الدولة لمطالب الأمة، ورجوعها إلى أحكام الله، وفي هذه الحالة ينتهي عمل الثورة إلى هذا الحدّ، وَإمَّا الإطاحة بالنظام الفاسد، وقلب الحكم الظالم، وتغييره إلى نظام إسلامي يتماشى مع التشريع الذي جاء به كتاب الله الكريم وعندئذ أيضًا لا يكون لزعيم الثورة أو أمير الدفاع أي حق في الحكم إلا إذا اختارته الأمة، لشروط توفرت فيه بعد
::
الهدوء والاجتماع والتفكير والمفاضلة، حسب الشروط المتبعة في اختيار أمير للمؤمنين. فإذا ضعف المسلمون حَتَّى عن هذا الموقف، وأصبحوا لا يستجيبون لداعي الثورة ويفضلون طريق السلامة، ويركنون إلى الدعة والاستراحة جاء المسلك الثالث من مسالك الدين، وهو الشراء، فحق لقلة منهم إذا بلغوا أربعين شخصا أن يعلنوا الثورة على الفساد، وبما أن هذه الثورة التي يقوم بها عدد قليل لا يتوقع لها النجاح في كفاحها ضد دولة ظالمة مسلحة وأمة مسالمة راضية بالذل إن هذا التنظيم يشبه أن يكون شعبا على دولة ظالمة حَتَّى لا تطمئن إلى تنفيذ خططها الجائرة، وقد لا تكون لها نتائج غير هذا القلق الذي يخيم على الظالمين، والتوجس والخوف الذي يسود أعمالهم وحركاتهم، ولذلك فقد اشترط لهذا التنظيم شروط قاسية لا يقبلها إلا الفدائيون الذين وهبوا حياتهم لحياة الأمة، وذلك أَنَّهُ لا يحل لهم بعد أن ينخرطوا في هذه المؤسسة أن يعودوا إلى بلادهم، أو يستقروا في أمكنتهم، أو يتخلوا عن رسالتهم، حَتَّى ينتهي بهم الأمر إلى النجاح أو القتل، والقتل أقرب الأمرين إليهم، وعندما تضطر الظروف أحدهم إلى منزله من شؤون تمديد الثورة كالتزود، فإنَّهُ يعتبر في منزله غريبا مسافراً يقصر الصلاة ولكنه عندما يكون في شغف الجبال، أو بطون الأودية، يقطع المواصلات على الطغاة، أو
لشأن