الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٩٥٠الإباضية في موكب التاريخ
186
الإباضية في الجزائر
غير أنهم اضمحلوا في بعض الجهات بسرعة، واستقروا في جهات أخرى لعوامل سياسية غالبا، كما أنهم كانوا يكونون كُلّ السكان أو أغلب السكان في بعض الجهات، ويكونون أقليات أو أفرادا في جهات أخرى، ولا شك أن الأعداد الوفيرة منهم إنما كانت تستقر في المناطق الوسطى الأقرب إلى الجنوب في تونس والجزائر والمغرب.
المذهب
ورغم أن التكتل الكبير لهم إنَّمَا كان في تاهرت حيث أسسوا الدولة الرستمية وهي في الجانب الغربي الشمالي من الجزائر إلا أن هذا التكتل لم يطل به الأمد بعد انقراض الدولة الرسمية سنة 296 هـ، فقد جد حكام الدولة العبيدية في القضاء على جميع من يتبع الإباضي وينتسب إليه؛ لأنهم يرون أن الإباضيَّة أشد فرق الأمة معارضة لبدعهم، ونقدا لتصرفهم وغلوهم وإظهارا لانحرافاتهم. وتحت ضغط أولئك الحكام وقسوتهم تفرق الإباضيَّة من تلك المنطقة، وشردوا إلى جميع
الجهات، وقد كان اتجاهم إلى الجنوب الشرقي أكثر من اتجاهم إلى النواحي الأخرى. وبهذا السبب تكتل الإباضيَّة في الواحات مثل "وَار جلان" و "سدراته"، و"وادي أريغ"، و"وادي سوف"، وغيرها من الواحات الواقعة في خطها مثل: "بغاي"، و"جبال أوراس"، و"الزاب"،
و"وادي ميزاب"، ثُمَّ في بلاد قصطيلية في القطر التونسي، وما والاها إلى الشرق والشمال. وعاش الإباضية في جميع هذه الأمكنة دون أن يكونوا لأنفسهم كيانا سياسيا (أي: دولة)، أو يدعوا إلى تكوينه. وَإِنَّمَا كانوا يعيشون تحت نظام العزابة الذي تحدثنا عنه في فصول سابقة. ويحمل هذا النظام جميع مزايا الحكم الشوري الإسلامي ماعدا منصب الخليفة أو الإمام. والأحكام الخاصة به والتي لا يحق لغيره أن يقوم بها. عَلَى أن الأحكام الخاصة بالخليفة نفسها كثيرًا ما يقوم بها مجلس العزابة. ويكلف شيخ الحلقة بتنفيذها أو ينفذها أعضاء المجلس أنفسهم كإجراء بعض العقوبات التي لا تبلغ الحدود، كالأدب والنكال والتعزير، وكإصدار الأوامر وقيادة الجموع في حالات الدفاع، وكعقد الاتفاقيات، وذلك عندما لا يكونون تحت سلطان دولة مسلمة.
ويكون قيام مجلس العزابة بمثل هذه المهام أيسر عليهم حين تكون بلادهم غير خاضعة لدولة قائمة أو تابعة لها سياسيا، فهي في تلك الأحوال تشبه أن تكون جمهورية مستقلة رئاستها العليا