الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ٩٦٠متنقلا
الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
وبلغ بهم الحرص على التعليم وعلى العبادة إلى أن جعلوا مساجد ومدارس متنقلة (1) مع الأحياء التي تعيش عَلَى نهج البداوة، فكان أرباب الماشية ينصبون أحياءهم متقاربة من مواطن الخصب، ثُمَّ يقيمون بناء المسجد والمدرسة فيؤمه الطلبة للدراسة والمصلون لأداء الفريضة، وقد ذكر المؤرخون أن لبعض الأحياء مسجدا من هذا النوع يحملونه عَلَى اثني عشر بعيراً ينصبونه في مكان متوسط ليومه الناس من أحياء متعددة، وقد قيل: إن تفصيله شبيه بتفصيل المساجد المبنية، حيث يخصص قسم منه للنساء وقسم للمرافق. ويبدو أن الوحدة لأصحاب الماشية في تلك الجهات إنَّما هي القبيلة، ومن يندرج القبيلة، ومن يندرج تحتها وينضم إليها، فتكون تلك القبيلة ومن معها تجمعا يقيم أو يرتحل بالاتفاق، وهي بذلك تقيم لنفسها مجتمعا صغيرا تتيسر فيه عدة من أنواع النشاط في التربية وفي التعليم وفي إقامة الشعائر الدينية كما تتكون فيه يد قوية تحمي ذلك المجتمع من عدوان الغارات. أما القرى والمدن فقد كانت كُلّ منها تكون تجمعا خاصا، ويغلب أن يكون سكان القرية أو المدينة متكونا من مجموعة كبيرة من الأسر والأفراد جاءوا إليها من جهات مختلفة نتيجة للضغط في بلدانهم الأصلية. أما الرباط بين تلك القبائل أو بين تلك القرى أو بينها جميعًا، فهو الرباط العام من السيرة والسلوك والتعاون العلمي والديني والعطف والمحبة ولكن التنظيم لم يصل بينهما إلى درجة تكوين وحدة بين مجموعة من القبائل أو مجموعة من القرى تقف موقفا موحدا في حالات الدفاع
بنظام ثابت ومستمر.
وبينما كان جبل نفوسة بجميع قراه ومدنه يكون وحدة، وكانت جربة بجميع حاراتها وأحيائها تكون وحدة، فإن بقية بلاد الإباضية في المغرب كمنطقة الجريد، و "وادي أريغ"، و"وار خلان"، و "آجلو"، و"تجريت" لم تكن بينهما هذه الوحدة. أما
1) يتخذون نماذج من الحصر يسهل أن يقام منها بيت أو مسجد أو مدرسة على المساحة والهندسة المطلوبة بأيسر جهد فإذا أرادوا الارتحال طويت الحصر وحملت على الجمال إلى المكان الجديد حيث تنصب بسهولة أيضا.