الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٩٥٩

الإباضية في موكب التاريخ

195

الإباضية في الجزائر

غيره، أو يقيم في مكانه الأصلي ينتظر الفرصة لصلاح الزمن وتبدل الأيام، وسيادة الحق على الباطل بسبب من الأسباب وكثيرًا ما تكون المجاذبة والأخذ والرد بين أفراد العائلة الواحدة المنقسمة على نفسها كُلّ يدعو القسم الآخر إلى الانتقال إليه والاستقرار معه.

يعني:

قال أبو العباس الدرجيني وهو يتحدث عن أبي صالح جنون بن يمريان ما يلي: "وذكر أن ابن عم له كتب إليه من بلاد المغرب يا ابن عمي: "ائتني فإنك أقمت في الأرض القفر وار جلان"، فإن عندنا أرضا كريمة قدر كساء يحمل البعير وسقه حبا. فأجابه أبو صالح: "يا ابن عمي: ائتني فإن عندنا أرضا قعدة رجل يحمل البعير وسقه عسلا" النخلة". والشواهد على هذا كثيرة حَتَّى أنه يعسر على المؤرخ أن يعرف مواطن العلماء الذين ينسبون إلى بلد ما أو يعيشون فيه، اللهم إلا بالعزوة أو النسبة كما يقال: أبو عبد الله الفرسطائي، وأبو العباس الويليلي، وأبو جعفر الوسلاتي، وفي كثير من الأحيان ينسب الشخص إلى القبيلة وتكون القبيلة من القبائل التي تفرعت إلى فروع كثيرة، وتنتقل بين بلاد المغرب الإسلامي كلها فلا يعرف لها مقر، ولا يعرف موطن الشخص الأصلي، وَإِنَّمَا يعرف الموطن الذي استقر فيه من بعد وأقام.

هنالك

هي

الغالية

وإنك لو تتبعت أسماء العلماء في بعض كتب التاريخ لوجدت النسبة إلى القبيلة أمثال: المشلوطي، والسدراتي واللواتي والمزاتي، والزناتي واليهراسني، والزواغي، والزرواري، والنفوسي، والفارسي، والوسياني، والتناوتي واليفرني واليروتني، والفسطناسي .. إلى آخر ما من أسماء وألقاب لمختلف القبائل والعروش ينسب إليها، وفي أحيان قليلة يذكر المؤرخون الموطن الأصلي للعالم، وينسبونه إلى القبيلة، ثُمَّ يذكرون مقره الذي استوطنه أخيرا. وعلى كل حال فإن الإباضيَّة لَمْ يزالوا يطاردون في جميع أنحاء المغرب ويضيق عليهم تارة من طرف الحكام المستبدين، وتارة من بعض زعماء القبائل الأقوياء المستغلين، وأحيانًا قليلة من بعض المتعصبين من المستفقهين الجامدين، فكانوا يلجأون في أغلب الأحوال إلى تلك الجهات من الواحات، يأوي المستقرون منهم إلى المدن ويأوي أصحاب الماشية إلى الوديان والتلال الخصبة في تلك الجهات، فتكون بسبب ذلك نشاط ملحوظ في الجوانب العلمية والدينية.