الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ٩٨٧

الإباضية في موكب التاريخ

223

الإباضية في الجزائر

لمعنى

وهكذا كلما ذكر الولد سببًا برره الوالد التائب، وأخبر أنه سأل الإمام عن ذلك فأجابه بأنه حلال، ثُمَّ أمره بحفظ المال المسروق أو المغصوب. هذه القصة سواء كانت واقعية أو كانت خيالية تَدُلُّ عَلَى تصور أولئك الناس الحلال والحرام، واستساغتهم للحصول عليه بأي وسيلة والرجل التائب منهم والذي لا ينفك عن التسبيح، وذكر الله لا يرى بأسًا أن يأكل مما يجيء عن طريق الغصب؛ لأن أصحابه في نظره قد باعوه بالعجز أو الكسل أو الخوف، ولا مما يجيء عن طريق السرقة؛ لأن أصحابه في نظره باعوه بالنوم أو بالغفلة وعدم الاعتناء، أو بغير ذلك من الأسباب.

ولقد كنت أستبعد أن يقع مثل ذلك من أناس ينتمون إلى الإسلام ويفخرون بأنهم من أمة مُحَمَّد -عليه الصلاة والسلام، وتنفرج شفاهم عن ذكر الله في كُلّ مقام، ولكن الزمن برهن لي عَلَى أَنَّهُ قد يقع ذلك وأكثر من ذلك، وأن الإحساس الديني بإثم الجريمة قد يضعف حَتَّى يتجاوز الناس فيه حد المقارفة إلى حد الاستحلال، وحد الاستحلال إلى حد الافتخار والتمدح والإعجاب. وقد يبدأ الأمر بالتجاوز عن أشياء يخيل لمرتكبها أنها بسيطة، وربَّما موهت بشبه يقبلها التفكير الساذج والإيمان السطحي، ثُمَّ لا تفتأ النفوس تعتادها

وسيلة من وسائل الحياة يعسر الاستغناء عنها.

والطريقة التي ذكرتها آنفًا كانت وسيلة من وسائل الحياة في البادية في عهود الجاهلية، سواء في ذلك بلاد العرب وبلاد البربر، وغيرهما من البلدان التي تعيش في نفس الظروف، فَلَمَّا جاء الإسلام توقفت الأيدي المؤمنة عن التصرف في أموال الناس ودمائهم إلا بحقها، ثُمَّ جعل للحقوق حدودًا قائمة بينة واضحة وقف الناس عندها والتزموها.

وكان وقوف بعض الأيدي عن القيام بأعمال الظلم إنَّما هو نتيجة لخوفها من العقاب الرادع الذي جعله الإسلام جزاء للمعتدين، وكانت بعض الأيدي تحن إلى ما نشأت عليه وتعارفته وافتخرت به في جاهليتها، فَلَمَّا انحرف الحكام عن إقامة دين