الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي
الجزء ١ · صفحة ١٢٢1 - نشأة نظام العزَّابَة.
تعرَّض الإبَاضِيَة في بلاد المغرب لعدَّة نكسات، جعلتهم يفكِّرون في إيجاد نظام جديد، يسمح لهم بالحفاظ على ممارسة مذهبهم بكلِّ حرِّية، ويقيهم شرَّ الأعداء، هؤلاء الأعداء الذين ظلُّوا يلاحقونهم في كلّ مكان يحلُّون به. فلم ينجوا في البصرة، عندما علم الولاَّة والخلفاء بأخبارهم. كما أسقطوا أيَّ محاولة لإقامة دولة إبَاضِيَة.(1)
وقد جرَّب الإبَاضِيَة إمامة الظهور، وهي آخر مراحل الإمامة عند الإبَاضِيَة، لكنَّهم فشلوا في الحفاظ عليها، منها الإمامة الخطابيَّة(2) التي قامت في طرابلس، وتوسَّعت في بلاد إفريقيَّة، إلاَّ أنَّها سقطت وعجزت عن الدفاع عن وجودها أمام جيوش الخلافة العباسيَّة المرسلة من القيروان والقادمة من مصر.
وكان من نتائج هذه الهزائم أن عاد الإبَاضِيَة إلى مرحلة الكتمان … مرَّة أخرى. واستمرَّت هذه المرحلة حتَّى سنة 160هـ (776م)، حين تمكَّن إبَاضِيَة المغرب الأوسط من تأسيس دولة لهم اتخذت تاهرت عاصمة لها (160 - 296هـ) (776 - 909م).
وتعتبر هذه المرحلة من أطول مراحل "الظهور" عند الإبَاضِيَة. وفي سنة 296هـ (909م) تعرَّضت الدولة لغزو الشيعة الذين استولوا عليها، وقتلوا أيمَّتها وشيوخها. ولم يتمكَّنوا من استرداد ملكهم المفقود رغم الثورات التي قاموا بها كما مرَّ بنا.
بعد هذه المحاولات الفاشلة، أحسَّ الإبَاضِيَة بضعفهم وعجزهم عن إقامة دولة لهم. لذلك فكَّر شيوخهم في ضرورة إيجاد نظام جديد يحلُّ محلَّ الإمامة أو الدولة للحفاظ على كيانهم ومذهبهم، دون أن يتعرَّضوا لغزوات أخرى تضيف إلى ضعفهم الماديِّ ضعفا أكبر، وقد اقتنع الإباضيَّة اقتناعاً تاماًّ بأنَّه لا قدرة لهم على تكوين إمامة الظهور. وأصبح المقيمون منهم في المدن المغربيَّة عاجزين على التعايش نظراً لتعوُّدهم على الحياة التي تسودها القوانين والعادات والتقاليد الإبَاضِيَة. فلا بدَّ من نظام جديد يحقق لهم هدفين بالغي الأهمِّية، أوَّلهما أنَّه يتمشَّى مع مرحلة الكتمان وثانيهما أمه يلم شملهم بعد أن فرَّقتهم السيوف، ويقيهم من أعدائهم، ويحافظ على كيانهم. فكان النظام الذي ابتكره شيوخ الإبَاضِيَة وهو نظام العزَّابَة بمثابة «السلطان
(1) - من بين هذه المحاولات نجاح عبد الله بن يحيى الكندي في تأسيس إمامة إبَاضِيَة في اليمن سنة 129هـ (747م)، غير أنَّ قرية من مركز الخلافة أثار له الكثير من المتاعب. فقد أرسل له الخليفة الأموي "مروان بن محمَّد" (127 - 132هـ) (744 - 750م) جيشًا ألحق به الهزيمة وبصاحبه أبي حمزة المختار بن عوف الأزدي. انظر سالم بن حمود بن شامس السيابي: الحقيقة والمجاز في تاريخ الإباضيَّة باليمن والحجاز، مطابع سجلّ العرب، القاهرة 1980، ص111 - 114، يوليوس فلهاوزن: أحزاب المعارضة في الإسلام (الخوارج والشيعة)، القاهرة 1968، ص143 - 145.
(2) - انظر: الفصل الأوَّل، ص26 وما بعدها.