الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي
الجزء ١ · صفحة ١٢٣العادل في العدل سواء»(1)
ذلك أنَّ العزَّابي عند الإبَاضِيَة يجب أنْ يكون «مجتهدا في حقوق الضعفاء والمساكين، ومنتصفاً من الظالم والمظلوم، وقائماً بحقوق الأسواق والمجازر وحقوق المدينة، وقائماً بما ينوب الضعيف».(2)
ومعنى هذا أنَّ مجلس العزَّابَة هو الذي يشرف على المجتمع الإبَاضِي إشرافاً تامًّا، وفي مختلف شؤون الحياة. فهو الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر. وهوالقاضي الذي ينصف المظلوم، ويدافع عن حقِّه. وهو الذي يقوم بإصدار الأحكام في المشاكل التي تقع بين الناس. ولا زال هذا النظام يمارس ويطبَّق في المدن الإبَاضِيَة بالجزائر إلى يومنا هذا. وقد تطوَّر هذا النظام بتطوُّر الحياة، وأضاف إليه الشيوخ بعض الزيادات حسب ما تقتضيه الأمور.
وقبل أنْ نتحدَّث عن تأسيس هذا النظام نودُّ أنْ نوضِّح أصل تسمية هذا النظام بِ" العزَّابَة " جاء في المصادر الإبَاضِيَة أنَّ كلمة "عزَّابَة" مشتقَّة … من "العزبة"، ومعناها «العزلة والغربة والتصوُّف، والتهّجُد على رؤوس الجبال».(3)
ويطلق على الفرد الواحد الذي ينتمي إلى مجلس العزَّابَة اسم "عزَّابي"، وتعني كلَّ من لازم الطريق وطلب العلم، وعزب عن الحياة الدنيويَّة، أي بعُد عنها، وكان أوَّل استعمال لهذه التسمية في عصر الشيخ أبي عبد الله محمَّد بن بكر (345 - 440هـ) (956 - 1048م) الذي أسَّس نظام العزَّابَة، ووضع له القوانين منذ سنة 409هـ (1018م)(4)
كما يطلق على هذا النظام اسم "الحلقة". ويعني مجلس العزَّابَة، لأنَّ العزَّابَة عندما يجتمعون يجلسون على هيئة حلقة أو دائرة، ويعني في نفس الوقت … "حلقة العلم".
ويرجع الفضل في تأسيس نظام العزَّابَة إلى الشيخ أبي عبد الله محمَّد بن بكر، فهو «أوَّل من ألهم سلوك الطريقة التي حفظ الله بها هذا المذهب فرسم المهمل وقيَّد الشارد»(5)
ويعود سبب تأسيس الحلقة إلى الشيخ "أبي زكرياء فصيل بن أبي مسور(6).
(1) - أبو عمَّار عبد الكافي: السير، (مخ)، ورقة 5، الجعبيري: نظام العزَّابَة عند الإبَاضِيَة الوهبيَّة في جربة، المطبعة العصريَّة، تونس 1975، ص25.
(2) - نفس المصدر، ورقة 2.
(3) - أبو عمَّار الكافي: نفس المصدر، ورقة 2، أبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي: كتاب السير، طبعة حجريَّة، المطبعة العلميَّة، تونس 1321هـ، ص91.
(4) - الدرجيني: الطبقات، مج1، ص170، صالح باجية: الإبَاضِيَة بالجريد، ص185، باباواسماعيل عمر: وادي ميزاب، مجلَّة التاريخ، عدد 19، سنة 1985، ص106.
(5) - الدرجيني: نفس المؤلِّف المصدر والجزء، ص 167.
(6) - من علماء الطبقة الثامنة حسب قائمة التصنيف الإبَاضِي أي (350 - 400 هـ) كان معاصرًا للشيخ جنّون بن يمريان شيخ وارجلان. وهو من علماء جزيرة جربة المرموقين. عرف عنه أنَّه كان يقدِّم الأموال لقواد القيروان لاتقاء شرّهم بما كان يعلّم التلاميذ وينفق عليهم حيث يجعل الدراهم في القراطيس والصرر ويعلّقها في ألواح التلاميذ، انظر الدرجيني: نفس المصدر، ج2، ص342 - 364.