الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي
الجزء ١ · صفحة ١٥٩الإبَاضِي إذا كان محافظًا على واجباته الدينيَّة. ولذلك نجد أنَّ المجتمع الإبَاضِي ــ إلى يومنا هذا ــ متماسك البنيان، يراقبون فيه الأفراد مراقبة شديدة من قبل الشيوخ، يسعون في ذلك للحفاظ على تعاليم المذهب وتطبيقها.
ومن خلال هذه الدراسة نخلص إلى عدَّة نتائج أهمُّها أنَّ غنى الإبَاضِيَة، واشتغالهم بالتجارة جعلهم يكوّنون قوَّة لا يستهان بها. ورأينا فيما سبق أنَّ سدراتة كانت تموّل أبا يزيد بالمؤن. وكان البعض منهم يهتمُّ بتربية الخيول للإعداد لمرحلة الظهور. بل إنَّ الإبَاضِيَة ــ كما يقول الإدريسي ــ ضربوا الدنانير الذهبيَّة في وارجلان باسم بلدهم. كما أنَّ اشتغالهم بالتجارة ساعدهم على نشر الإسلام في بلاد السودان.
كذلك فإنَّ اتباع الإبَاضِيَة لسياسة العزلة، وتفضيلهم العيش في مجتمعات صغيرة ساعدهم في الحفاظ على مذهبهم واستمراره إلى يومنا هذا. كما أنَّ الخلافات قد فشت في عضد الإبَاضِيَة. فالخلافات كانت عاملاً ساعد على سقوط الدولة الرُّسْتُمِيَّة دون مقاومة، وفشل ثورة أبي يزيد النكَّاري، وثورة الوهبيَّة. فلو كان الإبَاضِيَة متحدّي الكلمة لمَا تمكَّن أبو عبد الله الشيعي من القضاء على الإمامة الرُّسْتُمِيَّة.
كما أنَّ هذه الثورات كانت نتائجها وخيمة على الإبَاضِيَة عامَّة، ذلك لأنَّ قوادها ــ مثل أبي يزيد ــ لم يلتزموا بالمبادئ التي أعلنوها مع بداية ثوراتهم والتي كسبوا بها عطف أتباع المذاهب الأخرى. وقد أصبح هؤلاء يرون في المذهب الإبَاضِي مذهب نهب وقتل، رغم تبرُّؤ الإبَاضِيَة الوهبيَّة من النكاريَّة.
ومن النتائج الأخرى أنَّ الإبَاضِيَة ساهموا إلى حدِّ ما في اشتداد الصراع بين الفاطميِّين والأمويِّين. إذ استغلَّ الأمويون تلك الثورات وتدخَّلوا في شؤون المغرب، بوقوفهم ومساندتهم للثوَّار. وقد أدَّى ذلك إلى إسراع الفاطميين في الانتقال إلى مصر. هذا الانتقال كان نتيجة اضطهادهم لشعوب المغرب كلها، ومناهضة هذه القبائل للعبيديين في أصولهم العقائديَّة البعيدة بعدًا كبيرًا عن أصول الإبَاضِيَة وأصول الأشاعرة ممَّا يدلّ على أنَّ التقارب بين الإبَاضِيَة والأشاعرة أكبر من تقارب هؤلاء أو أولئك من الشيعة.
ورغم الهزائم المتتالية التي أدَّت إلى ضعف الإبَاضِيَة وعدم تمكُّنهم من إقامة إمامة جديدة تحلُّ محلَّ الإمامة الرُّسْتُمِيَّة وجنوحهم إلى الكتمان، إلاَّ أنَّ ذلك نتج عنه ميلاد نظام جديد بديل للإمامة والدولة، وهو نظام العزَّابَة. فقد ساعد هذا النظام على الحفاظ على تماسك الإبَاضِيَة، والحفاظ على مذهبهم طيلة هذه القرون. كما ساهم في دور كبير في إثراء الحياة الثقافيَّة. وقد أدَّى نظام الحلقة إلى انتشار العلم بين الإبَاضِيَة فقلَّما تجد أمِّيًا بين الإبَاضِيَة في الوقت الحاضر.