الإباضية في المغرب الأوسط مسعود مزهودي [دارس عن الإباضية]

الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي

الجزء ١ · صفحة ١٥٨

ونختلف مع "هنري باسيه" عندما أرجع تدوين الإبَاضِيَة بلغة البربر إلى معارضتهم للعرب واللغة العربيَّة. وأنَّ ذلك كان كردِّ فعل قومي للبربر.(1) والسبب كما يبدو يرجع إلى عدم إتقان اللغة العربيَّة، وعدم فهمها فهماً جيِّدًا. وقد يكون ذلك خشية أنْ تقع كتبهم إذا ما كتبت باللغة العربيَّة في يد ولاَّة الأمور. ثمَّ إنَّ استعمال الإبَاضِيَة للغة البربر لم يقتصر على الكتابة فقط بل كانت تستعمل حتَّى في المجالس العلميَّة. يذكر الشماخي نقلاً على لسان أبي محمَّد عبد الله بن محمَّد قوله: «كنَّا في مجلس في آجلو يقرأ فيه عن أبي آثار الربيع عن ضمَّام عن جابر رواية أبي صفرة عبد الملك بن صفرة، وأفسّر بالبربريَّة ما يقرأه».(2)

كما أنَّ الشماخي ألَّف كتاباً عن طرق جبل نفوسة بلغة البربر تحت عنوان "إبْرِيذَنْ إرَاصْرة نَفُّوسَنْ". ولم يترجم هذا الكتاب حتَّى الآن رغم أهمِّيته، مع العلم أنَّ الشماخي توفِّي سنة 928هـ (1522م).

خاتمة

من هذه الدراسة يتَّضح لنا أنَّ الإبَاضِيَة قد عانوا من الاضطهاد والبطش طيلة تاريخهم، لإصرارهم على تطبيق الشورى في نظام الحكم في الدولة الإسلاميَّة. وظلَّ الأمراء والحكَّام يلاحقونهم في كلّ مكان يحلّون به لأنَّهم يشكّلون خطرًا على مصالحهم. فقد حوربوا في المشرق من قبل الخلفاء الأمويين والعباسيين الذين حاولوا إسقاط كلّ محاولة قام بها الإبَاضِيَة في تأسيس دولة لهم. فانتقلوا إلى بلاد المغرب التي كانت مهيأة لتقبل هذه الدعوة.

ونجح دعاة الإبَاضِيَة في كسب البربر، واستطاعوا أنْ يؤسّسوا لهم إمامة في طرابلس غير أنَّ ولاَّة القيروان تمكَّنوا من القضاء عليها بسهولة. وإذا كانت أحلام إباضيَّة إفريقيَّة قد تحطَّمت فإنَّ إبَاضِيَة المغرب الأوسط استطاعوا أنْ يحقِّقوا ما كانوا يصبون إليه سواء في المغرب أو في المشرق حيث نجح عبد الرحمن بن رستم بمؤازرة قبائل هوَّارة ولواتة ومكناسة ومزاتة ولماية الإبَاضِيَة في تأسيس دولة عاصمتها تاهرت سنة 160هـ (777م).

ورغم كلّ هذه المحاولات للقضاء على الإبَاضِيَة إلاَّ أنَّهم ظلّوا يصمدون ويواجهون هذه المحاولات بكلِّ بسالة وشجاعة. وكان الإبَاضِيَة في مختلف أنحاء بلاد المغرب متَّحدين. فإذا ما قام إبَاضِيَة إفريقيَّة أو جبل نفوسة بثورة ما انضمَّ إليها إباضيَّة المغرب الأوسط. ولعلَّ السرَّ في ذلك يرجع إلى معتقدات الإبَاضِيَة نفسها، وأهمُّها مبدأ الولاية ويعني المحبَّة والمؤاخاة. وهي من واجبات الإبَاضِي تجاه أخيه

(1) - BASSET (Henri): Essai sur la litterature des bérbérs، ancien maison bastide، Alger 1920، p 66.

(2) - المصدر السابق، ص405.

١٥٣ / ١٨١