الإباضية في المغرب الأوسط مسعود مزهودي [دارس عن الإباضية]

الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي

الجزء ١ · صفحة ٥

بسم الله الرحمن الرحيم

تَقديم

إنَّ الكشف عن التاريخ وتعريف الأجيال الصاعدة المتلاحقة به واجب وحقٌّ: واجب على كلِّ مؤهَّل لذلك، وعلى كلِّ من يعي دور التاريخ في التوجيه والتربية، وفي بناء الشخصية، وبلورة كيان الأمَّة. وحقٌّ لكلِّ فرد ينشد التعرُّف على حقيقته، وعلى أصوله وماضيه؛ حتَّى يتمكَّن من انتزاع اعتراف الآخرين به، ومن ثَمَّ يحتلُّ مكانته في عصره، ويضمن استمرار ذكره في المستقبل … لأنَّ صياغة الحاضر تتأثَّر بالأحداث المتعاقبة المترابطة، التي وقعت في مختلف الفترات التي مرَّت بها أمَّة ما أو شعبٌ ما، وبالتَّفسير الذي يعطى لهذه الأحداث وتطوُّراتها. وبناء المستقبل يقوم أساساً على استحضار الماضي، واسترداد كلّ ما دار فيه؛ لمعرفة الملابسات التي اكتنفته، والظُّروف التي وجَّهته وسيَّرته: الظروف السياسية والاِجتماعية والفكريَّة … ويتمُّ توجيه الحياة والتخطيط لها على هذا الأساس.

من هنا توصف مهمَّة التاريخ بأنَّها صعبة وشاقَّة ومسؤوليَّة كبيرة، تحتاج إلى تذليل عقبات، وتخطِّي حواجز، والتخلُّص من مشاكل تعيق البحث التاريخي؛ منها سوء الفهم والنقد لبعض المواقف، وتأويل بعض الرُّؤى، وعدم التوفيق في التصرُّف الحسن في المعلومات التاريخيَّة، بما يخدم التاريخ، وينصف صانعيه. وعدم القدرة على التخلُّص من الضغوط النَّفسية والاجتماعية والسِّياسية والفكريَّة، التي تمنع من كتابة التاريخ كتابة صحيحة. ومنها الافتقار إلى الصبر على فهم المسار الذي تتحرَّك فيه الأحداث والوقائع، واكتشاف المصبِّ الذي تصبُّ فيه، والأهداف التي ترمي إلى تحقيقها، وعدم الاهتداء إلى معرفة المكوِّنات الثقافيَّة والفكريَّة لمن نقل إلينا الأخبار والوقائع وهذا التاريخ.

ومنها انعدام الشجاعة لنقدٍ، يشمل كلَّ من ينقل المسائل التاريخيَّة، ولو كانوا أساطين في ذلك، ومصادرَ أساسية في هذا المجال. والخوف من الخروج عن الإجماع في تسجيل الأحداث، وتقدير المواقف، وتأويل الوقائع، ولو لوحظت واكتشفت تجاوزات وأخطاء، يحرّم السكوت على التَّنبيه إليها. ويكون تقبُّل ذلك؛ لمجرَّد أنَّ ناقليه إلينا كتَّاب كبار، ومتلقِّيه أجيال متلاحقة متعاقبة؛ فيوصف ما يتداول بأنَّه إجماع، لا يمكن التخلِّي عنه، ولو اكتشفت فيه تناقضات ومغالطات …

ومن العقبات التي تعيق عمليَّة التأريخ الاِبتعادُ عن الشموليَّة في الرؤية والنظرة في العرض والمناقشة والتحليل …

هذه الصعوبات تسِم الكتابة التاريخيَّة بالمسؤولية الكبيرة؛ لأنَّها تسهم إسهاماً كبيراً في توجيه مسار الأمَّة، وترسم مواصفاتها بناءً على طبيعة تلك الكتابة، وما

٢ / ١٨١