الإباضية في المغرب الأوسط مسعود مزهودي [دارس عن الإباضية]

الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي

الجزء ١ · صفحة ٣٢

بتواتر الفتن عليهم، ودوام القحط وكثرة القتل والموت»(1).

3 - الاختلافات الفقهيَّة والفتن الداخليَّة:

لم ينج إبَاضِيَة وارجلان من الخلافات الفقهيَّة، فقد شهدت وارجلان اختلافاً آخر، يضاف إلى بقيَّة الاختلافات الفقهيَّة التي ظهرت في الدولة الرُّستُمِيَّة. تزعَّم هذا الخلاف أبو سليمان بن يعقوب بن محَمَّد بن أفلح بن الإمام الإبَاضِي الفار إلى وارجلان. وكان أبوه قد حذَّر أهل وارجلان من ابنه الذي كانت له بعض الاجتهادات الفقهيَّة(2).

ولمَّا مات والده، أصبح سليمان يقوم بالفتوى، مخالفاً الجماعة في سبع مسائل منها تنجيس الفرث، وما طبخ فيه من الطعام، وحرَّم أكل الجنين، ونجَّس دم العروق بعد غسل دم المذبح ودم الجوف، ونجَّس عَرَق المجنب وعَرَق الحائض. وقال: لا تعطى الزكاة إلاَّ للقرابة ولا تحلُّ لغيره. ويبدو أنَّ جماعته كانت قليلة إذ لم يلعبوا دوراً يذكر لهم. ولهذا أصبحت فرقته تعرف بِ"الفرثية"(3).

وكاد هذا الخلاف في بادئ الأمر أنْ يؤدِّي إلى الفتنة، لولا تدخُّل الشيخ الفاضل: أبي صالح جنون بن يمريان شيخ وارجلان حيث عقد مناظرة مع أبي سليمان حول تنجيس الفرث، انتهت في النهاية بانتصار أبي صالح.(4)

كما عرفت بلاد المغرب خلافاً آخر أثَّر على وحدة الإبَاضِيَة. وقد تزعَّم هذا الخلاف "الشكَّاس" الذي شذَّ ببعض المسائل التي لا تعد على الإبَاضِيَة، منها: إبطال السنة، وإبطال رأي المسلمين. وقال: «إنَّ صلاة الجماعة بدعة، وإنَّ الأذان بدعة»، حتَّى أنَّه إذا سمع صوت المؤذِّن قال: «نهيق الحمير»، كما قال: «إنَّ الصلاة لا تجوز بثوب فيه قمل، وإنَّ الأندر إذا بالت فيها الدواب لا يطهر القمح الذي تدرسه إلاَّ بالغسل». ومن غرائب هذه الفرقة قولهم: «إنَّه إذا مات أحد أفرادها لا يصلُّون عليه بل يجعلون مرابط في رجله، ويجرُّونه إلى مكان يدفنونه فيه»(5).

ومن حسن الحظِّ أنَّ انتشار آراء هذه الفرقة لم يتجاوز مدينة قنطرارة بإفرقيَّة. ورغم عدم وجود أتباع لهذه الفرقة في المغرب الأوسط إلاَّ أنَّها أثَّرت على وحدة الإبَاضِيَة في بلاد المغرب كلِّه.

وإلى جانب هذه الفتن الداخليَّة، فإنَّ المنطقة كانت عبر تاريخها الطويل مطمع الأعداء من غير الإبَاضِيَة، حيث كثرت الحملات عليها، وانتشر في أراضيها البدو وقطَّاع الطرق الذين غالبا ما ضايقوا سدراتة ووارجلان.

(1) - ابن حوقل: صورة الأرض، ص: 93.

(2) - الشماخي: السير، ص: 366. الدرجيني: الطبقات، ج 1، ص: 106.

(3) - المارغني: فرق الإبَاضِيَة الست ومازاغت به عن الحق، طبعة حجريَّة (د. ت)، ص:20. اطفيَّش: الرسالة الموسَّعة في تاريخ وادي ميزاب (مخطوط) ورقة 83. علي يحيى معمَّر: أضواء على الإبَاضِيَة، ط. سلطنة عمان.

(4) - أبو زكرياء: سير الأئمَّة، مج 1، ص: 126.

(5) - أبو زكرياء: نفس المصدر والجزء، ص: 134 - 135.

٢٨ / ١٨١