الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي
الجزء ١ · صفحة ٣٣فلم تعرف هذه الواحة الهدوءَ والاستقرارَ حتَّى خرَّبها المنصور الحمَّادي (481 - 498هـ) (1088 - 1104م)(1) سنة 442هـ (1052م). ممَّا أدَّى إلى هجرة من تبقَّى من الإبَاضِيَة إلى منطقة "وادي ميزاب". كما شهدت المدينة في القرن الرابع الهجري (العاشر الملادي) عدَّة غارات استولى من خلالها المُغيرون على ممتلكات السكان. كما قامت قبائل بني توجين المتمركزة بضواحي وارجلان بالهجوم على المدينة والاستيلاء على أغنام السكان. إلاَّ أنَّ الإبَاضِيَة بقيادة الشيخ مَاكْسَنْ بن الخير(2) وأبي العبَّاس الويليلي(3) استطاعو استردادها(4).
كما تعرض المصادر لموقعة تعرف بوقعة "خيران" اشترك فيها أهل وَغْلاَنَة وبني يَجْناسَن(5). كما اقتتلوا مرَّة أخرى عندما خرجت قافلة من وارجلان في طريقها "لأريغ". وكان سبب هذا القتال ــ كما يقول المؤرِّخون ــ: الازدحام حول بئر، كانوا يسقون منها إبلهم.(6)
وإضافة إلى كلِّ هذا فإنَّ الطرق كانت غير آمنة، حيث كان قطَّاع الطرق من البدو منتشرين في المنطقة. ويذكر أنَّ أحد رعاة الشيخ أبي عبد الله محَمَّد بن بكر ــ مؤسِّس نظام العزَّابة ــ خرج بغنمه إلى جبال بني مصعب(7)، فأغارت عليه قبيلة من القبائل.(8)
وعلى الرغم من كثرة الفتن والقلاقل، وانتشار الفساد في مدينة وارجلان وضواحيها، إلاَّ أنَّ الإبَاضِيَة حاولوا بقدر المستطاع إعادة الأمن والاستقرار. ويذكر
(1) - هو المنصور بن الناصر الحمادي أمير دولة بني حماد، تولَّى الحكم بعد وفاة والده الناصر سنة 481هـ (1088م). وهو الذي حوَّل عاصمة الإمارة من القلعة إلى مدينة بجاية الساحليَّة سنة 483هـ (1090م). كان مولعاً بالبناء فبنى عدَّة قصور في بجاية منها اللؤلؤة وقصر أميمون. انظر: ابن خلدون: كتاب العبر، مج 11، ص: 357.
(2) - هو العالم الإبَاضِي ماكسن بن الخير، تصنِّفه المصادر الإبَاضِيَة ضمن الطبقة العاشرة (450 - 500هـ). تعلَّم في جزيرة جربة في حلقة أبي محَمَّد واسلان (أو وايسلان) بن أبي صالح أحد علماء جربة البارزين. ولمَّا أنهى تعليمه عاد إلى وارجلان فسكنها مدَّة ثمَّ انتقل إلى أريغ، وامتهن التدريس إلى أنْ توفِّي سنة 498هـ.
انظر: الوسياني: السير، مج 2، ورقة 35 - 36. الدرجيني: الطبقات، ج 2، ص:430 - 431. علي يحيى معمَّر: الإبَاضِيَة في موكب التاريخ، الحلقة الرابعة، … ص: 193 - 197.
(3) - هو من علماء الطبقة العاشرة، عرف بكثرة سفريَّاته إلى جبل بني مصعب ربَّما للدَّعوة للمذهب الإبَاضِي، كما كان كثير التنقُّل بين وارجلان وأريغ. انظر: الدرجيني: نفس المصدر، مج 2، ص: 446.
(4) - الشماخي: السير، ص: 415 - 417.
(5) - أهل وغلانة وبني ينجاسن من القبائل التي انتحلت مذهب الإبَاضِيَة. كانت تتمركز في المناطق البدويَّة بين مدينة وارجلان وأريغ، أهمُّ ما يميِّزها أنَّها قبائل تعتمد في عيشها على الرعي.
(6) - الوسياني، السير، ج 1، ورقة 79.
(7) - تقع هذه الجبال في شمال غرب وارجلان، وهي المنطقة المعروفة اليوم بوادي ميزاب، وتبعد عن ورقلة الحالية (وارجلان) بحوالي 190كلم.
(8) - الشماخي: السير، ص: 390.