الإباضية في المغرب الأوسط مسعود مزهودي [دارس عن الإباضية]

الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي

الجزء ١ · صفحة ٤٠

ولا شكَّ أنَّ هذه القبائل كانت تحترف الرعي. فالقرية المسمَّاة "أغَرْمْ نتْلَزْضِيتْ"، وهي إحدى قراهم التي مازالت آثارها موجودة إلى يومنا هذا في وادي ميزاب وتعني قرية الصوف.(1)

وتذكُر المصادر أنَّ مؤسِّس نظام العزَّابة أبا عبد الله محَمَّد بن بكر كان يزور هذه المنطقة قادماً من أريغ يدعو سكَّانها للمذهب الإبَاضِي، والتفَّ حوله الكثيرون رغم وقوف الواصليَّة في وجهه وقتلهم أحد أبنائه.(2)

ولمَّا تمكَّن هذا الشيخ من نشر المذهب الإبَاضِي في هذا الوادي انتقلت إليه جموع الإبَاضِيَة خاصَّة عندما كثرت الفتن والقلاقل في سدراتة ووارجلان. كما أنَّ غزو بني هلال لبلاد المغرب كان له هو الآخر تأثير على تلك الهجرة الجماعيَّة.

ويبدو أنَّ انتقال الإبَاضِيَة إلى منطقة وادي ميزاب تمَّ مع بداية القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي)، ذلك أنَّهم أسَّسوا مدينتهم الأولى التي عرفت باسم "العطف" سنة 402هـ (1011م). وسمِّيت بهذا الاسم لانعطافها جانب الوادي. وكان سكان هذه المدينة في البداية يقيمون بقرية "أغرم نتلزضيت" التي كانت تسمَّى كذلك "تَجْنِينْت" أو "تكنينت" بمعنى الإناء. ذلك أنَّ أهلها كانوا يسقون مزروعاتهم بالآنية.(3)

أمَّا المدينة الثانية فهي مليكة سنة (408هـ)(4)، والمدينة الثالثة التي أسَّسوها هي غارداية سنة 442هـ (1053م). سمِّيت باسم غار كانت تسكنه امرأة تدعى "داية". كما يفسِّرها آخرون بأنَّ التسمية جاءت من أنَّ هذا الغار كان وكراً للغربان، لأنَّ الداية في لغة سكان المغرب تعني الغراب.(5)

(1) - اطفيَّش، المرجع السابق، ورقة 25.

(2) - ابراهيم محَمَّد طلاَّي: ميزاب بلد كفاح، مطبعة البعث قسنطينة، 1970، ص: 13 - 15.

(3) -اطفيَّش: الرسالة الموسَّعة، ورقة 24 - 25.

(4) -تختلف المصادر اختلافاً كبيراً في تواريخ بناء مدن وادي ميزاب. فهناك من يرى بأنَّ مدينة مليكة بنيت سنة 395هـ (1004م)، وقيل: سنة 408هـ (1017م) وقيل: سنة 518هـ (1124م). ونفس الشيء بالنسبة لمدينة العطف 402هـ أو 403هـ أو 404هـ (1011م، 1012م، 1013م)، وبنورة 438هـ أو 440هـ أو 810هـ (1046م، 1048م، 1407م). وأسِّست كلٌّ من بني يسقن سنة 748هـ (1347م) وقرارة سنة 1040هـ (1630م)، وبرِّيان سنة 1090هـ (1679م).

(5) - اطفيَّش: نفس المرجع، ورقة 22.

٣٦ / ١٨١