الإباضية في المغرب الأوسط مسعود مزهودي [دارس عن الإباضية]

الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي

الجزء ١ · صفحة ٣٩

يقول ابن خلدون: «من بني واسين هؤلاء بقصور مصاب على خمسة مراحل من جبل "تيطَرْ" في القبلة لما دون الرمال، على ثلاث مراحل من قصور بني ريغة (أريغ) في المغرب. وهذا الاسم للذين اختطوها ونزلوها من شعوب بني يادين، وضعوها في أرض حرَّة على أحكام وخراب ممتنعة في مسارحها، بين الأرض المحجَّرة المعروفة "بِالحَمَادَة" في سمت العرق متوسطة فيه قبالة تلك البلاد على فراسخ في ناحية القبلة، وسكانها لهذا العهد شعوب زناتة، وإنْ كانت شهرتها "مصاب"»(1).

أمَّا التسمية التي يرى الإبَاضِيَة أنَّها أقرب إلى الصواب فهي "ميزاب" ومعناها "أصحاب الميزاب". ويُرجِعون تلك التسمية إلى الشيخ الإبَاضِي "أبي بلال مرداس بن حدير"(2) الذي قام ذات ليلة بدخول الحرم في مكَّة، وجلس تحت الميزاب يدعو ربَّه أنْ يظهر له صحَّة دينه فنزلت عليه قطرة ماء من الميزاب، فعدَّ ذلك استجابة لدعائه. ومن يومها أصبح الإبَاضِيَة يقفون في الطواف تجاه ميزاب الكعبة.(3)

ويبدو أنَّ تسمية الوادي الذي يسكن حوله الإبَاضِيَة بوادي ميزاب ترجع إلى آلة للوزن. فالميزاب هو اسم لآلة الوزن مشتق من كلمة "موزان"، أو مأخوذ من وزَب الماء يزِب أي سال وانحدر(4).

ورغم وعورة المنطقة وعدم صلاحيتها للزِّراعة إلاَّ أنَّ الإبَاضِيَة اختاروها ملجأ لهم بعد عمليَّات التشريد التي تعرَّضوا لها طوال حياتهم. ولعلَّ طبيعتها تلك هي التي جعلتهم يفضّلونها على غيرها حتَّى لا يزاحمهم العرب أو البربر، فيحيون حياة تطبَّق فيها القوانين والأحكام الإبَاضِيَة حتَّى لا يتعرَّضوا لمثل ما تعرَّضوا له في سدراتة ووارجلان.

كانت منطقة وادي ميزاب منذ القدم مستقرًّا لجماعات من المعتزلة الواصليَّة. وكانوا يتنقَّلون من الجنوب إلى الشمال في فصل الربيع ثمَّ يعودون مع بداية فصل الشتاء. فأبو زكرياء يشير إلى قتال هؤلاء الواصليَّة للإمام الرُّستُمِي عبد الوهَّاب في أحواز تاهرت بقوله: «تكاثفت كلمة الواصليَّة واجتمعوا من كلّ نقب، وجازوا من كلِّ أوب».(5)

(1) - ابن خلدون: كتاب العبر، مج 13، ص: 123.

(2) - هو من علماء الطبقة الثانية (50 - 100هـ) كان معاصراً لإمام الإبَاضِيَة الأوَّل جابر بن زيد الأزدي. ويعتبر من علماء الإبَاضِيَة المشارقة الأوائل الذين ساهموا في إثراء المذهب الإبَاضِي. انظر: الدَّرجيني: الطبقات: ج 2، ص: 214 - 226. البرادي: الجواهر المنتقاة فيما أخلَّ كتاب الطبقات: نشره حمد بن يوسف الباروني، قسنطينة 1302هـ، ص: 167.

(3) - اطفيَّش: رسالة شافية في تاريخ وادي ميزاب (مخطوط)، ورقة 47 - 48. نفس المؤلِّف: رسالة إن لم تعرف الإبَاضِيَة ياعُقبي ياجزائري، القاهرة 1328هـ، ص: 42.

(4) - اطفيَّش: الرسالة الموسَّعة، ورقة 48.

(5) - أبو زكرياء: سير الأئمَّة، ج 1، ص: 67.

٣٥ / ١٨١