الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي
الجزء ١ · صفحة ٤٣أ) - أوضاع الإبَاضِيَة في العهد الفاطمي:
كان موقف الفاطميين من الإبَاضِيَة سيِّئاً، نظراً للعداوة القديمة بين الفرقتين. وهي العداوة التي تعود إلى تاريخ ظهورهما. ومن الطبيعي أنْ تتفاقم هذه العداوة، خاصَّة وأنَّ الفاطميين هم الذين قضوا على الدولة الرُّستُمِيَّة.
وازدادت أوضاعهم سوءاً عندما تمكَّن الشيعة من الاستيلاء على "تاهرت" سنة 296هـ (909م)، والسماح للجيش بالقتل والسبي. كما قاموا بحرق "المكتبة المعصومة" التي اشتهرت بها الدولة الرُّستُمِيَّة للقضاء على تراثهم الديني. وأمام هذا الغزو فرَّ الإبَاضِيَة ــ كما مرَّ بنا ــ إلى سدراتة ووارجلان وجربة، وبلاد الجريد، وجبل نفوسة خوفاً من المزيد من الاضطهاد.
أمَّا إباضيَّة جبل نفوسة، فإنَّهم لم يعانوا ما عاناه إخوانهم في المغرب الأوسط بعد سقوط الدولة الرُّستُمِيَّة. يذكر الباروني أنَّ المعزَّ لدين الله الفاطمي (341هـ-365هـ) (952م-975م)(1) لَّما وصل إلى مدينة "طرابلس"(2) في طريقه إلى مصر، انفصل عنه جمع من عساكره إلى جبل "نفوسة" ولم يقدر عليهم.(3)
وأهمُّ ما يميِّز السياسة الداخليَّة للدولة الفاطميَّة في بلاد المغرب والتي عانى منها سكَّانه، جمعُ المال لتحقيق الهدف البعيد وهو السيطرة على العالم الإسلامي. لذلك فرض الفاطميُّون ضرائب جديدة مثل "دينار الهجرة" و "درهم الفطرة" على كتامة كما فرضوا على الحُجَّاج المرور بالمهديَّة حتَّى يدفعوا ضريبة الحجِّ.
وراح بعض المؤرِّخين الشيعة يدافعون عن خلفائهم ويُفتون بضرورة تقديم الأموال حتَّى ولو أكل بها الخلفاء لحوم الحيَّات.(4)
وإلى جانب هذه السياسة هناك المعتقدات الشيعيَّة التي نفر منها أصحاب المذاهب الأخرى. كعصمة الإمام وتقديسه، وتجريح كبار الصَّحابة، وأصبحوا يرون في مذهبهم مذهب كفر. لذلك صمَّموا على عدم السكوت على مثل هذه الافتراءات.
وهكذا التقت جميع المذاهب الأخرى في صفٍّ واحدٍ مناوئ للشيعة فكثرت الثورات في مختلف مناطق المغرب. وسنعرض للثورات التي قامت … في وجههم.
(1) - هو أبو تميم معد، الملقَّب بِ"المعز لدين الله بن المنصور بن القائم بن المهدي عبيد الله" بويع بولاية العهد في حياة أبيه المنصور. تولَّى الخلافة سنة 341هـ (952م) وتوفي سنة 365هـ (975م).
(2) - هي إحدى مدن إفريقيَّة، وتقع في طريق مصر. يصفها ابن حوقل: بأنَّها مدينة خصبة حصينة صالحة الأسواق، كثيرة الضياع. انظر: ابن حوقل: صورة الأرض، ص: 71.
(3) - الباروني: مختصر تاريخ الإبَاضِيَة، مطبعة الإرادة، تونس، 1938، ص: 50.
(4) - القاضي النعمان: كتاب المهمَّة في آداب اتباع الأئمَّة، دار الفكر العربي القاهرة، (د. ت)، ص: 67. الحبيب الجنحاني: دراسات في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للمغرب الإسلامي، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الثانية، بيروت 1986، ص: 69. السيد عبد العزيز سالم: المغرب الكبير، ج 2، ص: 605.