الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي
الجزء ١ · صفحة ٤٤ب) - ثورة النكارية:
1 - تعريف النكارية:
سميت جماعة "النكار" بالنُكَّارِيَّة لأنَّهم أنكروا إمامة عبد الوهَّاب بن عبد الرحمن بن رستم (171 - 190هـ) (787 - 805م) كما سمُّوا بِ"النجوية" لأنَّهم أكثروا النجوى في إبطال إمامة عبد الوهَّاب وسمُّوا بِ"الشغبية" لإكثارهم من الشغب في "تاهرت" وأرباضها، كما سمُّوا بِ"النكاث" لأنَّهم نكثوا بيعة الإمام بعد أنْ بايعوه.(1)
وقد اتخذت هذه الفرقة طابعاً سياسيًّا في البداية برفضها إمامة عبد الوهَّاب ثمَّ ما لبث أنْ تحوَّل هذا الطابع إلى طابع ديني. وأصبحت لها عقائد غريبة عن المذهب الإبَاضِيِّ وعن الإسلام عموماً، منها أنَّهم قالوا: «إنَّ حجَّة الله لا تقوم إلاَّ بسماع» وأنكروا عذاب القبر(2). كما قالوا: «إنَّ ولاية الله وعداوته تتقلَّب بالأحوال، وإنَّ الإمامة غير مفترضة. ومن لم تبلغه دعوة الإسلام، ودعي إلى دين سماوي آخر لا يجوز له أنْ يجيب». وقالوا: «إنَّ صلاة الجمعة غير جائزة خلف أئمَّة الجور، وإنَّ عطايا الملوك لا يحلُّ أخذها، وإنَّ الله لم يأمر بالنَّوافل». كما قالوا بلزوم العمل بالفرائض دون لزوم العلم بها ولا من معرفتها شيء، وأنَّ الحرام المجهول حلال(3).
كما قالوا بشرب الخمر على التقيَّة، وقالوا: «لا تجوز إمامة أحد المسلمين وفي المسلمين أفضل منه». وهذا الشرط هو الذي خالفوا فيه الإمام … "عبد الوهَّاب" ورفضوا الاعتراف بإمامته، وظلُّوا يحاربونه حتَّى استطاع القضاء على ثوراتهم.(4)
وهكذا نجد أنَّ النكار عُرفوا بالغلوِّ في الدين عكس الإبَاضِيَة الوهبيَّة(5) الذين عُرفوا بالأخلاق الفاضلة والاستقامة والورع. ويحقُّ للإبَاضِيَة الوهبيَّة أنْ يتبرَّأوا من هؤلاء ويعتبروهم غير إبَاضِيَة لأنَّهم خرجوا عن عقائد المذهب الإبَاضِي، وأصبحوا
(1) - الشماخي: السير، ص148. اطفيَّش: رسالة شافية، و 46. يحيى هويدي: تاريخ فلسفة الإسلام في القارَّة الإفريقيَّة، ج 1، مكتبة النهضة المصريَّة، القاهرة 1965، ص: 45.
(2) - المارغني: فرق الإبَاضِيَة الست ومازاغت به عن الحق، ص: 54. الوارجلاني: الدليل والبرهان، ج 3، القاهرة (د. ت)، ص: 33. علي يحيى معمَّر: الإبَاضِيَة دراسة مركَّزة في أصولهم وتاريخهم، المطبعة العربيَّة، غرداية، 1976، ص: 75.
(3) - المارغني: فرق الإبَاضِيَة، ص: 55. صابر طعيمة: الإبَاضِيَة عقيدة ومذهباً، دار الجيل، بيروت 1986، ص: 52. علي يحيى معمَّر: الإبَاضِيَة بين الفرق الإسلاميَّة، مطابع سجلَّ العرب، الطبعة الأولى، القاهرة 1976، ص: 263.
(4) - المارغني: نفس المصدر والصفحة، طعيمة: نفس المرجع والصفحة.
(5) - هم أتباع الإمام الرستمي عبد الوهَّاب بن عبد الرحمن بن رستم، ظهرت هذه الفرقة عندما انقسم الإبَاضِيَة إلى فرقتين: فرقة تناصر يزيد بن فندين، وفرقة وقفت إلى جانب الإمام، فسمُّوا "وهبيَّة" نسبة إليه. وقيل: إنَّما سمُّوا كذلك نسبة لعبدالله بن وهب الراسبي مثلما قال ابن حوقل. انظر: صورة الأرض، ص: 93. الدرجيني: الطبقات، ج 1، ص: 47 - 51.