الإباضية في المغرب الأوسط مسعود مزهودي [دارس عن الإباضية]

الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي

الجزء ١ · صفحة ٤٦

وعن تفضيل أبي يزيد للمذهب النكاري دون الوهبي يذكر الدَّرجيني: «أنَّ عالماً من علماء الإبَاضِيَة يدعى "أبا الربيع" خرج برفقة أبي يزيد، وأثناء مرورهم بحي من أحياء الوهبيَّة لم يكترثوا بهما فوقع ذلك في نفس أبي يزيد. وعندما مرَّا بالنكارية أكرموهما، وأحسنوا استقبالهما فأدَّى هذا إلى استمالته إليهِم، واعتناقه معتقداتهم، والدعوة لها».(1)

ونحن لا نصدِّق هذه الرِّواية لأنَّ هناك أسباباً أخرى أقرب إلى الصحَّة، منها القبلية لأنَّ زعيم فرقة النكارية هو يزيد بن فندين الذي ينتمي إلى بني يفرن وهي نفس قبيلة أبي يزيد. والمعروف أنَّ النكَّارية أنكروا إمامة عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم ولم يعترفوا بها، كما تضمَّن مذهب النكَّار أفكاراً تخدم مصالح أبي يزيد منها: قتل المخالفين إذا أذنبوا، وبتكفير أهل الملَّة، وعدم توريث البنت، وهذه القضيَّة الأخيرة تهدم أساساً جوهريًّا في الدعوة الشيعيَّة القائمة ببلاد المغرب. ومعنى ذلك أنَّ المذهب النكاري يتوافق مع تطلّعات أبي يزيد ومصالحه. كما يتوافق مع طبيعة شخصيَّته التي فطرت على الشغب والتطرُّف. وهذا يتوافق مع مذهب النكَّار المتصف بالغلو.

ويبدو أنَّ عدم إكرام أبي يزيد من طرف الوهبيَّة ليس هو السبب الحقيقيُّ في تفضيله وتبنِّيه لآراء النكارية، وإنَّما كثرة مخالطته لهم خاصَّة وأنَّ … بلاد الجريد كانت تضمُّ أعداداً كبيرة منهم، جعلته يُقبل عليهم ويتولَّى الدعوة لمذهبهم.

لم يمكث أبو يزيد طويلاً في مدينة "توزر" بل انتقل إلى "تاهرت" وفيها احترف تعليم الصبيان. ولمَّا خرج أبو عبد الله الشيعي إلى سجلماسة(2) لإطلاق سراح المهدي المسجون، انتقل إلى "تقيوس". وهناك اشترى ضيعة، وباشر مرَّة أخرى عمله التعليمي. كما بدأ يدعو إلى الثورة ضدَّ العبيديين، وذلك سنة 316هـ (928م) فـ «كان يذهب إلى تكفير أهل ملَّته واستباحة الأموال والدماء، والخروج على السلطان. ثمَّ أخذ نفسه بالحسبة على الناس، … وتغيير المنكر»(3).

وقد لقيت هذه الدعوة إقبالاً كبيراً بين الناس، وأصبحوا يجتمعون حوله خاصَّة النكاريَّة منهم. ولمَّا بلغ خبره الخليفة "القائم بأمر الله"(4) (322 - 334هـ) (933 -

(1) - نفس المصدر والجزء، ص: 110 - 111.

(2) - تقع هذه المدينة في إقليم "تافيلالت" جنوب المغرب الأقصى. كانت عاصمة لدولة بني مدرار (140 - 296هـ) (758 - 909م) اشتهرت هذه المدينة بتجارتها مع بلاد السودان الغربي. يصفها ابن حوقل بأنَّها مدينة حسنة الموضع تقع على نهر. فكانت ذات =نخيل وبساتين. أمَّا أهلها فهم قوم مياسير. تبعد سجلماسة عن مدينة "فاس" بثلاث عشرة مرحلة، وعن أغمات بثماني مراحل، وعن أودغست بمسيرة شهر. انظر: صورة الأرض، ص: 90 - 91.

(3) - ابن خلدون: كتاب العبر، مج 7، ص: 84. ابن الأثير: الكامل، مج 8، ص: 422.

(4) - هو أبو القاسم محَمَّد بن عبيد الله القائم بأمر الله، تولَّى الخلافة بعد وفاة المهدي (297 - 322هـ) (909 - 934م). ويقال أنَّ اسمه نزار "ولقِّب بالقائم بِأمر الله. انظر: أبو عبد الله الشيخ محَمَّد الباجي المسعودي: الخلاصة النقيَّة في أمراء إفرِيقِيَّة، مطبعة بيكار، الطبعة الثانية، تونس 1323هـ، ص: 39.

٤٢ / ١٨١