الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي
الجزء ١ · صفحة ٤٧945م) أرسل إلى عامله على قسطيلية يأمره بالقبض عليه. وتمَّ القبض عليه، وزجَّ به في السجن، وبعد قضائه مدَّة في السجن اجتمع أصحابه وتشاوروا في الأمر، فاتَّفقوا على اختيار أربعة رجال يقومون بالهجوم على السجن وإخراج صاحبهم. وبعد إعداد خطَّة الهجوم، دخل الرجال … إلى "توزر"، وكسروا باب السجن وقتلوا السجَّان ثمَّ أخلوه من … المساجين، وأخرجوا صاحبهم مكبَّلاً بالحديد، فحمله أحدُهم على ظهره ولاذوا بالفرار.(1)
وبالقرب من مدينة الحامة(2) كسروا أغلاله على صخرة عرفت بِ"صخرة أبي يزيد"، ثمَّ أسرعوا إلى صحراء "سماطة" غايتهم الوصول إلى "قلعة بني درجين"(3) يطلبون مساعدة أهلها، وكان بنو درجين في عدد كبير، حتَّى أنَّهم قُدِّروا بثمانية عشر ألف فارس، إلاَّ أنَّهم لم يكترثوا به، إذ كان على … غير مذهبهم(4).
ولمَّا رأى أبو يزيد وجماعُته ذلك الاستقبال الفاتر غادر "بني درجين" متوجِّها إلى "بني واركلا"، وأقام بها سنة يختلف إلى جبل "أوراس" وإلى "بني برزال" في مواطنهم بالجبال قبلة المسيلة، وإلى "بني زنداكْ"(5) من مغراوة، إلى أن أجابوه فوصل إلى أوراس «ومعه أبو عمَّار الأعمى في إثني عشر من الراحلة».(6)
ويبدو أنَّ دعوة أبي يزيد لقيت إقبالا كبيرا في جبل أوراس، وساعده على ذلك الاختلافُ الحادّ بين الشيعة والإباضية، ومغالاة الشيعة في - بلاد المغرب - في تفسير الأحكام، وإلزام الناس بالدخول في مذهبهم وسخط أهل المغرب من ذلك. بالإضافة إلى إسقاط الفاطميِّين للدولة الرُّستُمِيَّة حاملةِ لواء المذهب الإبَاضِي، وسوء الأوضاع الاقتصاديَّة لعامَّة سكَّان المغرب نتيجة الضرائب التي فرضها المهديُّ ممَّا دفع الناس إلى الانضمام إلى حركة أبي يزيد. يقول الدَّرجيني: «كان عند إخوانه بالجبل مكرَّماً».(7) فكان بنو كملان(8) في جبل أوراس هم الساعد الأيمن لحركته، وبهم قويَ، واشتدَّت شوكته واستفحل أمره.(9)
(1) - القرشي: عيون الأخبار، ص: 173.
(2) - مدينة في الجنوب التونسي تقع قرب مدينة "توزر" وصفها صاحب الاستبصار بأنَّها مدينة قديمة مسورة، يسكنها قوم من البربر يعرفون بمطماطة، وهي كثيرة التمر والزيتون والفواكه. انظر: مؤلِّف مجهول: كتاب الاستبصار، ص: 150.
(3) - هي مدينة قديمة قرب "نفطة" و"بلد سوف"، اشتهرت بصناعة الكسى.
انظر: نفس المصدر، ص159.
(4) - الدرجيني: الطبقات، ج1، ص97 - 98.
(5) - بنو زنداك هؤلاء من قبائل مغراوة المعروفة بأنَّها أكبر بطون زناتة، بنتسبون إلى مغراو بن يصليتن بن مسرا بن زاكيا بن ورسيك بن الديرت بن جانا، إخوة بني يفرن وبني ترنيان، كانت مواطنهم في المغرب الأوسط في المنطقة الممتدّة من شلف إلى تلمسان.
انظر: ابن خلدون: كتاب العبر، مج13، ص50.
(6) - ابن خلدون: كتاب العبر، مج 7، ص27 - 28.
(7) - الدَّرجيني: الطبقات، مج 1، ص: 98.
(8) - هم قوم من هوارة كان موطنهم أوراس. وقفوا إلى جانب أبي يزيد طيلة ثورته. وقد قتل منهم الكثير في موقعة الرؤوس قرب باتنة. انظر: ابن خلدون: المصدر السابق، مج 13، ص: 34.
(9) - أبو عبد الله الصنهاجي: أخبار ملوك بني عبيد، ص: 30.