الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي
الجزء ١ · صفحة ١١غير موجودة. فمعظمها قد استولى عليه المستشرقون الذين كانوا يعملون في الجزائر إبَّان الاحتلال الفرنسي.
وقد حاول الباحث الاِتصال ببعض هؤلاء للاِستفادة من المصادر التي يمتلكونها دون جدوى. وكان أوَّلهم المستشرق الفرنسي «جون لوتيو Jean Lethilleux» الذي ألَّف كتاباً يتناول تاريخ وارجلان منذ ظهورها حتَّى القرن العشرين. وقد جاءت دراسته قيِّمة، كشفت الكثير من خبايا تاريخ الإباضية. فهو يؤرِّخ لسدراتة منذ بداية القرن الأوَّل الهجري (الثامن الميلادي)، معتمداً في ذلك على مخطوط يحمل عنوان: «كتاب البراهمي في سلوك المذهب الإبَاضِي»، والذي يتناول تاريخ الإباضية في بلاد المغرب بالتفصيل، يتألَّف من خمسة مجلَّدات. ويذكر أنَّ مؤلفه "سليمان بن ابراهيم بن بانوح" (293 - 407هـ) (905 - 1016م) عاش في مدينة سدراته. والغريب أنَّ هذا الكتاب النفيس لم تذكره المصادر الإباضية القديمة، ولم تنقل عنه. بل إنَّ البرادي الذي أحصى تآليف إباضية المغرب في كتابه "الجواهر المنتقاة فيما أخلَّ به كتاب الطبقات" لم يشر إليه. كما أنَّ "لوتيو" لم يذكر المكان الذي وجد فيه هذا المخطوط. ويبدو أنَّه يملكه. وقد حاول الباحث الاتصال به مراراً دون جدوى.
والمعروف أنَّ معظم التراث الإبَاضِي ــ خاصة ما يتناول الجانب التاريخي منه ــ موزَّع بين عدد كبير من المستشرقين الذين استقرُّوا في الجزائر، واستطاعوا في ظلِّ الاستعمار أنْ ينهبوا كلَّ شيء حتَّى الكتب. فالمستشرق "سموقورزفسكي Z. Smogorzewski" اقتنى عدداً كبيراً من المخطوطات الإباضية. وتذكر المراجع الحديثة أنَّ هذه المجموعة توجد في جامعة "كراكوفا" ببولندا. وقد سافر الباحث إلى هذه المدينة لكن مدير المكتبة بها نفى وجود هذه المجموعة.
واستطاع الباحث أنْ يتَّصل بالمستشرق البولندي "تادوز ليفيسكي Tadeusz Lewicki" الخبير في الدراسات الإباضية، والذي يعدُّ أحسن من كتب عن تاريخهم، فأخبرنا بأنَّ مجموعة "سموقورزفسكي" موجودة اليوم في جامعة "لفوف" ( Lwow) في الاتحاد السوفياتي سابقاً، ولم يسمح لأحد الاطلاع عليها.
ومن الأمور التي اعترضت سبيل الباحث في هذه الدراسة أنَّ الموضوع يتناول تاريخ جماعات، وليس تاريخ دولة. ولذلك فالعثور على مادة تاريخيَّة كافية تغطِّي جوانب الموضوع أمر صعب.
بالإضافة إلى أنَّ البحث في تاريخ الإباضية يعتمد بالدرجة الأولى - طبعاً - على المصادر الإباضية التي انفردت بالحديث عن هذه الجماعات، وأغلب هذه المصادر تنقل على بعضها البعض. كما أنَّ ضعف الإباضية في هذه الفترة التي تعرَّضوا فيها لشتَّى ألوان الاضطهاد، قلَّل من نشاطهم السياسي فعادوا إلى مرحلة الكتمان، حتَّى يجنِّبوا أنفسهم التقتيل. وأدَّى ذلك إلى إغفال المصادر السنِّية والشيعية لهم. كما أنَّ الإباضية في هذه الفترة لم يكونوا في حاجة للمصادر التاريخيَّة بقدر ماهم في حاجة لكتب الفقه خشية زوال مذهبهم الذي كافحوا من أجله الكثير، فلذلك قلَّت كتبهم التاريخيَّة.
وقد قسَّمنا الموضوع إلى مقدِّمة وخمسة فصول. تناولنا في الفصل الأوَّل انتقال الإباضية من تاهرت إلى وارجلان وسدراتة بعد سقوط الدولة الرستميَّة. فبدأنا بنبذة