الإباضية في المغرب الأوسط مسعود مزهودي [دارس عن الإباضية]

الإباضية في المغرب الأوسط لمزهودي

الجزء ١ · صفحة ٩٧

كما أنَّ النقود التي كان يتعامل بها بنو حمَّاد قبل انتقالهم من القلعة إلى بجاية، هي نقود فاطميَّة. ويذكر عزَّ الدين أحمد موسى أنَّ العملة الفاطميَّة ظلَّ التعامل بها مستمرًّا كعملةٍ رسميَّة في بلاد المغرب إلى أنْ أعلن المعزّ ابن باديس الانفصال عن الفاطميِّين، وضرب السكَّة باسمه.(1)

6 - المستوى الاقتصادي الذي حقَّقه هذا النشاط:

لا شكَّ أنَّ قيام الإبَاضِيَة بالتجارة عاد بالرخاء الوفير عليهم. وهذا ماجعل الإدريسي يصف سكَّان وارجلان بأنَّهم مياسير أغنياء. وممَّا يدلُّ على غناهم أنَّ المُزارع منهم كان يحفر البئر بأزيد من مائة دينار. وهذا المبلغ مرتفع جدًّا حتَّى أنَّ الحميري تعجَّب لذلك. وهذا يدلُّ على الدخل المرتفع الذي يتحصَّل عليه أهل وارجلان سواء من التجارة أو من قيادة القوافل إلى بلاد السودان. إلى جانب اكتظاظ أسواقها بالتجارة من مختلف المناطق ممَّا يزيد في كثرة المال … في المدينة.

وبلغ التجَّار الإبَاضِيَة درجة كبيرة من الثراء. فرأينا أنْ "تملي الوسياني" كان يبعث كلّ سنة من تادمكَّة ستَّة عشر كيساً من المال، يحتوي كلّ كيس على خمسمائة دينار ذهبي لتوزَّع على المحتاجين من إخوانه في المذهب في مدينة قسطيلية بإفريقيَّة. وإذا كان هذا المبلغ الضخم يتبرَّع به فلا شكَّ أنَّ … ثروته طائلة.

ونظراً لرخاء المدينة فقد سافر إليها الكثير من التجَّار من مختلف المناطق خاصَّة من المغرب الأوسط وإفريقيَّة فكبرت المدينة، واتَّسعت وأصبحت تتكوَّن ــ كما قال الحميري: ــ «من سبع مدائن مسوَّرة حصينة».(2) خاصَّة بعد فقدان سدراتة لأهمِّيتها التي اشتهرت بها في القرن الثاني والثالث للهجرة (الثامن والتاسع الميلادي)، ونزوح سكَّان سدراتة إلى وارجلان.

ولعلَّ كثرة الوافدين إلى وارجلان هي التي جعلت الإبَاضِيَة ينتقلون إلى وادي ميزاب، لأنَّ الإبَاضِيَة يفضِّلون العُزلة وعدم الاختلاط مع المذاهب الأخرى.

(1) - النشاط الاقتصادي في المغرب الإسلامي خلال القرن السادس الهجري، دار الشروق، ط1، بيرُوت 1983، ص298 - 299.

(2) - الروْضُ المِعْطَار، ص600.

٩٢ / ١٨١