حوارات فكرية
الجزء ١ · صفحة ١٩٣النفس ما لا تطيقه، أو يعود عليها بالضرر الكثير، أو مع اعتقاد أنه أفضل من غيره، كما فعل النفر من الصحابة، الذين هموا أن يحرموا على أنفسهم النساء، وأكل اللحوم والطيبات من الرزق، فنهاهم النبي -- عن ذلك، ونزلت فيهم الآية، فمن كان على هذه الحيثية فهو حرام في حقه، وكذا أيضاً فرضوا على أنفسهم أن يقوموا الليل ويصوموا النهار كعبد الله بن عمرو بن العاص، فقال له - يا عبد الله بن عمرو ألم يبلغني عنك كذا وكذا) قال: بلى يا رسول الله). قال: (يا عبد الله بن عمرو اعلم أني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأنكح النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني)، فانظروا إلى قوله -- فليس مني، ألا تراه أن حكم عليه بالخروج من الإسلام؟ فهذا الذي عناه القطب رحمه الله أنه حرام، وأما من ترك النكاح، وتقلل من لذات الدنيا زهداً فيها، بقصد تذليل النفس وقهرها وقمعها عن شهواتها خوف جموحها، وأن لا تنقاد له في أوامر خالقها، أو ترك التزويج لفقر وقلة ما في يده، خوف أن يتكلف المكاسب المحرمة أو المكروهة، أو خوف أن يشغله كسب المعيشة عن الأهميّات الدينية، أو عن العبادات الأفضلية، ولم يخف فتنة الشهوة على دينه، بل كان قوياً قادراً على تحمل مكابدة الشهوة كالنبي عيسى صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه، وكمن ذكرت أنت من أفاضل المسلمين وعلمائهم وزهادهم، فذلك لا يكون حراماً في حقهم، بل هو فضيلة وعلوّ درجة، وكم لهذا الباب من حجج وأمثال في الفريقين، والله يهدينا وإياكم إلى معالم دينه، ويهجم بنا على صراطه المستقيم، وصلى الله على رسوله سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
وأما قول القطب في تيسيره لمن ستر الأيدي في الدعاء بدعة محرمة إلى آخره، فاعلم أنني لا أحفظ شيئاً في السنة يأمر بذلك ولا ينهى عنه، وأقول إن كان فاعله اعتمد على دليل من الكتاب أو السنة ولو بتأويل، فلا يحكم على بدعة محرمة، وأنه زاد في الشرع ما ليس منه، وأما إن لم يكن له دليل في ذلك بل فعله من تلقاء نفسه فهو كما قال القطب، والله أعلم.
فعله أنه
193