حوارات فكرية
الجزء ١ · صفحة ٩٩عيسى أن غيرهم لا يشترطون ذلك، وأما استشكال الإمام لقول العمانيين هذا، واحتجاجه عليهم بأن النبي --، لما بُعث وفرضت الزكاة، بعث العمال من حينه إلى كل من دخل في الإسلام ليقبضوا منهم الزكاة ولم ينتظر حولاً ولا غيره، وكذا فعل الخليفة الصديق بعد موت النبي -- فأنا أتكفل - إن شاء الله - في هذا بالجواب عن الأصحاب فأقول:
أما في زمان النبي -- فلا يخفى أن ذلك زمان البعثة وأول التشريع وفرض الفرائض، وهنالك نزل الأمر بقوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} (1) ونحوها فأولئك المأمور بالأخذ منهم، لم يتقدم عليهم خطاب بوجوب شيء، فذلك أول الوجوب في حقهم فعليه - - امتثال الأمر بالأخذ، وعليهم امتثال أمره بالإعطاء، وأما بعد استقرار الفرضية واستقرار تعليقها بالحول، فكان المسلمون ملتزمين بذلك على استقرار شروطه، فإذا صار زمان جور وكتمان وجب عليهم أن يتولى كل واحد منهم أمر زكاته، وينظر لها أهلها الذين أمر الله أن تصرف فيهم فهم المخاطبون بوضعها في مواضعها، فإذا اجتمعت كلمة المسلمين، واتفقوا على نصب إمام يقوم بأمرهم، فمن كان حوله حاضراً، إذ ذاك ولم يُخرج ما عنده إلى أربابها الذين أمر باخراجها فيهم، وجب عليه دفعها إلى إمامه، ومن كان دفعها وأداها قبل قيام الإمام، فهي عنه كافية لأنه وضعها في محلها، ويصدق في ذلك، لأنها من دينه، وليس للإمام أن يقول له: (أعد أدائها إلي أو لا أصدقك أنك دفعتها)، فلا جبر له عليه، حتى يحول عليه الحول من ذلك الوقت، وهو إمام يجبي، هذا هو معنى قولهم، ومن قال إن حوله تام، وزكاته باقية في يده، فعليه تسليمها للإمام، وللإمام جبره إن امتنع وما ذكرته لك هو الفارق بين أيام التشريع وغيرها، فالمنع هناك منع جحد وارتداد، وفيما بعد ذلك منع دعوى الأداء، ومدعيه مصدق فيه، لأنه من دينه، هذا ما أراه والعلم عند الله، وجواب الشيخ عيسى واف بالمقصود، والحمد لله رب العالمين.
(1) سورة التوبة، الآية 103.
99