معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر
الجزء ١ · صفحة ١٠٦74
الفصل الأول: الأوضاع العامة لإباضية الجزائر خلال عصر النهضة الإصلاحية
المبحث الثالث:
الأوضاع الدينية والثقافية
لا شك أن الأوضاع السياسية والاجتماعية سالفة الذكر التي عاشها إباضية الجزائر في وادي ميزاب قد ألقت بظلالها على الحياة الدينية والثقافية لديهم، وأسهمت في دفعها نحو اتجاهات محددة دون أخرى، وقد رسمت صورة لمجتمع تحكمه تقاليد وأعراف اجتماعية تستمد روحها من فهم الدين وفق قواعد الشريعة ومقاصدها.
فكيف اتسمت الحياة الدينية والثقافية لديهم آنذاك؟
1 - حال حلقة العزابة:
سبق الحديث عن النظام الاجتماعي الديني الذي حكم وادي ميزاب وسير شؤونه، ونظم مناحي الحياة المختلفة فيه، بعد أن ابتدأ تربويا تعليميا على شكل حلقة علم متنقلة، إلى أن أصبح نظاما له هياكل ومؤسسات تتحكم في دواليب المجتمع انطلاقا من المسجد إلى الشارع إلى السوق، ومن العشيرة إلى الأسرة إلى الفرد. لقد حاولت حلقة العزابة صبغ كل تحركاته وقراراته بصبغة دينية شرعية من خلال خطابها المسجدي، وفي إنشائها للأعراف والتقاليد وفي هيكلتها لشرائح المجتمع، وفي ردعها للعصاة والمنحرفين والمتمردين عن قراراتها ونظمها). فكانت تحاول دائما أن تبحث في أصول الشريعة الإسلامية لتجد المستند الشرعي لكل قرار تريد أن تصدره، ولكل عرف تريد أن تشرعه أو تنقضه، معتمدة في ذلك
(1) تعتمد حلقة العزابة في ردع العصاة والمنحرفين على ما يعرف عند الإباضية بالبراءة الاجتماعية وهي تطبيق عملي للبراءة الشرعية، إذ يقاطع فيه العاصي، فلا يكلم ولا يتعامل معه حتى يقدم إلى المسجد ويعلن براءته العلنية أمام الملا، فيتوب إلى الله مما صدر منه، ويطلب العذر من المجتمع. ناصر: حلقة العزابة، ص 29 - 30