معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر
الجزء ١ · صفحة ١٢٩المبحث الأول: ميلاد فكرة النهضة الإصلاحية ودواعيها
97
قائدين الركب، محاولين الحفاظ على سلامته وصفائه من الأدران، فكان منهم من واتته الظروف وتهيأت له الأوضاع، ووجد المعين والسند لجهوده وأفكاره فآتت أكلها وذاق ثمارها ورآها رأي العين أمامه ومنهم من قست الظروف في عهده، فلم تمد له بيد العون والمساندة؛ فناضل وكابد وأدى ما عليه، إلا أن نتائج تلك الجهود لم تتحقق في الميدان ولم تظهر واضحة للعيان.
فكان نصر
الله تعالى للأول وتمكينه واضحا مجسدا مبهرا استطاعت أقلام المؤرخين تسجيله وحفظه، بينما كان نصر الله تعالى للثاني ضعيفا شاحبا هزيلا كأنه لا شيء؛ فلم تستطع أقلام المؤرخين تفصيله ولا حفظه، وهذا لا يعني انقطاع جهود العلماء والمشايخ في عملية الإصلاح، ومحاولتهم المستمرة للتمكين لدين الله تعالى.
ولعل ما ساعد على ذلك – بكل وضوح- وحافظ على هذا الحد الأدنى من الدين في مجال سلوك الأفراد والمجتمع هو تلك الهيكلة الاجتماعية الدينية التي حظي بها وادي ميزاب المتمثلة في نظام حلقة العزابة، خاصة بعد أن اعتلت هرم المجتمع وأصبحت قائدة له ومتحكمة فيه من خلال الهيئات العرفية التي أبدعتها، والتي شملت معظم شرائح المجتمع وانشغالاته.
هذا ما جعله يتقيد بضوابط ونظم وأعراف صارمة ليس بوسعه التنصل منها، وكلما حاول الابتعاد عنها وتخطيها وجد نفسه أمام حواجز وموانع تحميه وتحافظ عليه. رغم مراحل الضعف والهوان التي انتابت هذا النظام، وبالتبع هذا المجتمع في
فترات زمنية عديدة.
هذا ما يمكن أن يقال عن حركة الإصلاح عموما عند إباضية الجزائر في وادي
ميزاب.
إلا أن الكلام حينما يتعلق بالنهضة الإصلاحية الحديثة والمعاصرة، فمن الأصح أن نعيد جذورها إلى عهد الشيخ أبي زكرياء الأفضلي خلال القرن الثامن عشر الميلادي. فنسميه باعث النهضة الإصلاحية الحديثة والمعاصرة ومؤسسها