معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر (1157هـ/1744م - 1382هـ/1962م) قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج

معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر

الجزء ١ · صفحة ١٢٨

96

الفصل الثاني: جذور النهضة الإصلاحية ومراحلها الإعدادية

التاريخية؛ بما تضمنه من معلومات جديدة مهمة مرتبة ترتيبا زمنيا مفيدا، معتمدا

على مصادر ومخطوطات ووثائق ناذرة غير متوفرة بين أيدي الباحثين. ولعله من باب الجمع بين النظرتين أرى أن الإصلاح الذي يعني في أوضح معانيه وأبسطها؛ بذل الجهد في إقامة دين الله تعالى على مستوى حياة الأفراد والمجتمع لم ينقطع في حقيقة الأمر في وادي ميزاب منذ حل الإسلام فيه، وبقي دائما بين المد والجزر. فإن الوادي يعد من الربوع التي تواصل فيها حبل الحضارة الإسلامية واستمر منذ تربع الإسلام والمذهب الإباضي فيه مع مطلع القرن الخامس الهجري الحادي عشر الميلادي، إلا أن هذا الحبل كان يتراوح بين المتانة

والرقة من فترة إلى أخرى دون أن يشهد انقطاعا وانفكاكا وانفصاما واضحا. صحيح إن هذه الربوع كغيرها شهدت عصورا علا فيها كعب الإصلاح والنهضة، والتمكين لدين الله تعالى، وعصورا أخرى خمد فيها هذا الصوت وخفت وبلي فيها الدين فكانت الظروف والعوامل الداخلية والخارجية للمجتمع تؤدي دورها في رسم هذا المنحنى البياني صعودا ونزولا وانحناء.

والشواهد على ذلك كثيرة، إذ أن تتبع المسار التاريخي لإباضية الجزائر ينبئنا أن في كل قرن، بل في كل جيل، وجد عدد من المشايخ والعلماء (1) الذين بذلوا جهدهم في تنوير المجتمع وإصلاح أوضاعه والسعي لإقامته على دين الله تعالى. إلا أن الظروف العامة الداخلية والخارجية كان لها دورها في رسم صورته الواقعية ومدى التزامه فيها بدين الله تعالى.

هكذا بقي إصلاح المجتمع بين المد والجزر وما انفك علماء الإباضية ومشايخهم وعزابتهم يكابدون في سبيل هذا الدرب حاملين المشعل رافعين اللواء

(1) تراجع في ذلك مصادر التاريخ عند الإباضية التي من أهمها أبو زكرياء يحيى بن أبي بكر: سير الأيمة وأخبارهم، تح وتع: إسماعيل العربي، ط 1، مطبعة أحمد زبانة، الجزائر، 1399 هـ/ 1979 م. الدرجيني: طبقات المشايخ بالمغرب. أحمد أبو العباس الشماخي: سير المشايخ، طبعة حجرية، 1301 هـ. إبراهيم أبو اليقظان، ملحق سير الشماخي مخطوط. معجم أعلام الإباضية.