معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر
الجزء ١ · صفحة ١٣١المبحث الأول: ميلاد فكرة النهضة الإصلاحية ودواعيها
99
لقد وجد هذا الشباب خيط الإصلاح رقيقا دون أن ينقطع من خلال معايشتهم لجهد المقل الذي كان يقوم به بعض المشايخ والعزابة في سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بما أوتوا من علم متواضع، وبما فهموا من تجارب في الحياة، وبما خبروا من تعامل مع المجتمع. فبقي هذا الخيط كالنار الخافتة تحت الهشيم، تنتظر الظروف المواتية لتلتهب من جديد، وتشع على من حولها. ومن نعم الله تعالى على وادي ميزاب أن قيض له من حين لآخر مثل هؤلاء الرجال الصالحين، رغم قلة زادهم العلمي والمادي أحيانا، إلا أنهم عوضوه بإخلاص وتضحية وبذل منقطع النظير في سبيل الدعوة والإرشاد، فوقفوا حياتهم من أجل ذلك؛ غير مبالين بمدى نجاح أعمالهم وتحقق آمالهم أو عدمهما. فلم تكن الظروف المحيطة آنذاك مواتية ولا مساعدة على تجسيد مثل تلك الأفكار والطموحات في إصلاح المجتمع، ولم تكن تسمح البتة في إحداث حركية اجتماعية ونقلة نوعية على مستوى حياة الأفراد، حيث كانت القوى المعاكسة للخير متماسكة ومغروسة في قلب المجتمع؛ تقف في وجه أي فكرة للإصلاح أو التغيير، تبذل وسعها للقضاء عليها في مهدها قبل أن تشب وتقوى.
تعششت هذه القوى في الأوضاع المتردية، ووجدتها تربة خصبة ضربت جذورها في أغوارها واستقوت بها، حتى صعب اجتثاثها وتعذر اقتلاعها. والتي يمكن إجمالها فيما يأتي:
انعزال المجتمع في بيئة صحراوية شحيحة الموارد قاسية المناخ، خالية من
حضارات أو ثقافات نوعية أخرى يمكن أن يتأثر بها أو يتلقح منها. انغلاق المجتمع على نفسه، وعدم قابليته للانفتاح على غيره من المجتمعات للاستفادة من خبراتها وتجاربها.
الأمية المتفشية والجهل المطبق على غالبية أفراد المجتمع.
التقاليد البالية التي تحولت في أذهان عامة الناس إلى أصول وفرائض لا يجوز التنازل عنها أو استبدالها أو تعديلها.