معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر
الجزء ١ · صفحة ١٦٣المبحث الثالث: المراحل الإعدادية للنهضة الإصلاحية
131
كما يبدو أنه استطاع - بما منحه الله تعالى من مواهب - أن يطوي مراحل في التكوين والتحصيل وباجتهاده و نبوغه واعتماده على نفسه في الاستزادة من العلم بالعودة إلى المكتبات المتوفرة بين يديه وباقتنائه للكتب التي يحتاجها من ماله الخاص.
ويبدو أن شيخه الأفضلي قد لمح فيه هذا التفوق والنبوغ، مما جعله محل الثقة والمشورة عنده، فقدمه للتعليم في معهده مساعدا ومتدربا على تكوين الطلبة الوافدين إليه من قرى وادي ميزاب كما فتح له الطريق للريادة العلمية وسيادتها،
فشجعه وحثه على المضي قدما في مجال التأليف والتدريس والوعظ والإرشاد. لم يضيق عليه أو يثبطه كما يفعل بعض المشايخ مع تلاميذهم النجباء خشية تفوقهم عليهم وسرقة الأضواء منهم وجلب الأنظار عنهم، بل دفعه وحثه على فتح معهد خاص به يتولى تسيير حلقات العلم فيه، ويسعى بدوره إلى نشر رسالة العلم والإصلاح بتكوين الأجيال وتحضيرهم للمستقبل، كما حثه على الوعظ والإرشاد والفتوى (1).
يقول الأستاذ محمد علي دبوز: (وقد سر أبو زكرياء بنبوغ تلميذه في العلم ويفصاحته وبراعته في التعبير فوجهه إلى التأليف … وكان مثالا في الصفاء فخلا من الحسد الذي يجعل كثيرا من العلماء يضغطون على تلاميذهم لكي لا يتفوقوا عليهم … فقدم تلميذه للتدريس والفتوى ثم ألفت إليه أنظار الخاصة والعامة ودعاهم إلى الاستزادة منه، وعرفهم فضله وعبقريته وسبقه» (2).
كان جهاده في التعليم مواصلة لمسيرة أستاذه في التربية والتعليم حيث ابتدأ معلما مساعدا لشيخه أنشأ حلقة خاصة به تولى إدارتها والتعليم فيها وتنظيمها بعد أن تفتقت مواهبه العلمية وبرزت كفاءاته التدريسية.
(1) دبوز نهضة الجزائر الحديثة، ج 1، ص 266 - 270. (2) المرجع نفسه: ج 1، ص 268 – 269