معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر
الجزء ١ · صفحة ١٦٦134
الفصل الثاني: جذور النهضة الإصلاحية ومراحلها الإعدادية
يبدو أن الشيخ لم يستطع الصمود كثيرا في وجههم واستشعر ضعفه أمامهم، ورأى ضرورة تغيير منهجه، وتيقن أن أسلوب المواجهة لوحده غير مجد في هذا الوقت فتيارهم لا يزال قويا متماسكا يصعب كسر شوكته، كما تيقن أن جهوده بهذا المنهج ستبقى مضيعة للوقت وهدرا للطاقة إذا استمر الأمر على هذه الحال. وبعد تفكير وتخمين يبدو أن الشيخ خلص في الأخير إلى قرار اعتزال المجتمع والدخول في مرحلة جديدة والتفرغ لها، وتحويل وجهته من الإصلاح الاجتماعي إلى العمل العلمي بالتأليف والتدوين والكتابة. بلا شك أنه لم يتخذ هذا القرار إلا بعد دراسة ممحصة متعمقة لأوضاع عصره ومجتمعه ومذهبه، فخلص في الأخير إلى قناعة مفادها أن علماء الإباضية في وادي ميزاب قد أهملوا جانبا مهما من ركائز قيام أي نهضة وأي حضارة في التاريخ، ألا وهو جانب البحث العلمي وجانب تقعيد العلوم الشرعية وإعادة صياغتها على ضوء روح العصر ومتطلباته وهمومه.
ورأى أن من سبقه من العلماء والمشايخ وجه عنايته إلى التعليم وركز جهوده على الإصلاح الاجتماعي، منهم شيخه الأفضلي الذي لا يزال على قيد الحياة مرابطا في الميدان يساعده في ذلك بعض طلبته الكبار.
فكان ذلك على حساب البحث والتأليف من جديد في علوم الشريعة، وقد تفطن أن هذه النهضة الجديدة لابد لها من مصادر علمية تستقي منها أحكامها ومعارفها، وتكون على أساسها الأجيال، فعاد إلى ما بين يديه من مكتبات بما تحويه من الكتب ومخطوطات فلم يجد ما يشفي غليله منها، ووجد ما يُعتمد عليه جله مما خطه علماء الإباضية بالمشرق، أو علماء الإباضية في تونس وليبيا ووارجلان وأن جلها يعود إلى قرون ماضية.
فاقتنع
أنه من الواجب عليه أن يسد ثغرة غفل عنها ولم يوجد من يعنى بها منذ
زمن طويل. فأغلق أبواب منزله على نفسه قرابة الخمسة عشر سنة، لا يخرج منه إلا لضرورة قصوى واعتزل حياة الناس كلية فكانت هذه الجبهة الثالثة لجهاده في
مجال النهضة.