معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر
الجزء ١ · صفحة ١٨٦154
الفصل الثاني: جذور النهضة الإصلاحية ومراحلها الإعدادية
بالديار؛ مستغلا هذه الأوضاع مكرسا لها محاربا كل صوت ينادي للإصلاح
ويرفع شعار التجديد ويدعو إلى الاستفاقة والاستيقاظ والنهوض.
بلا شك أن هذا الطريق الوعر والمسلك الصعب قد سار عليه مشايخه من قبله بداية من الأفضلي ثم الثميني وتلاميذهما فكان لا بد عليه أن ينهج نهجهما ويواصل ما ابتدأ فيه وإلا خمدت جهودهما وذهبت أدراج الرياح وعاد المجتمع إلى ما كان من قبل في سالف أيامه. كما أن تغيير عادات الناس وإصلاح ما فسد منها لا يتم في وقت قصير ولا في زمن يسير، بل يحتاج إلى نفس طويل وإلى جهد غزير، يستمر لعدة أجيال حتى يقضي على الموروث البالي ويستبدل به الصالح الجديد.
لما فتح القطب عينيه وجد مجتمعه يئن تحت وطأة هذه الأوضاع؛ من أمراض اجتماعية أنهكت كاهله وأبطأت استفاقته وعطلت تقدمه فما كان منه إلا أن يتصدى له، بدافع الغيرة على الدين وعلى الوطن اللذين يمليان عليه أن يتخندق في الميدان مصلحا ومرشدا وموجها ومحاربا للركود والخمول.
يقول الأستاذ محمد علي دبوز: (لقد دعا القطب مجتمعه إلى ترك البدع الدينية التي يتمسك بها، ويراها من الدين، وهي مخالفة للدين، تضره وتفتك به في كل نواحيه وتسبب له النوم والخمول والضعف في كل جهاته، وتمنعه من النهوض والتقدم وهذه البدع كثيرة، منها ما يتصل بالعقائد، ومنها ما يتصل بالأعمال والتقاليد» (1).
يبدو أنه كان في شبابه متحمسا للدعوة مندفعا للإصلاح مستعجلا التغيير والقضاء على البدع وما يمس الدين في عقيدته من خرافات وأباطيل، فصدع بما راه حقا، فأنب ولام من وجد في صدارة القوم من مشايخ؛ رآهم ساكتين عن الباطل أو متساهلين معه، فدخل معهم في مناقشات ومجادلات تحولت إلى مشاجرات ومصادمات.
(1) دبوز نهضة الجزائر الحديثة، ج 1، ص 333