معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر
الجزء ١ · صفحة ١٩٦164
الفصل الثاني: جذور النهضة الإصلاحية ومراحلها الإعدادية
لها من قبل، وما لا يمكن العودة فيه إلى الوراء؛ بينما كانت في العهدين السابقين منحصرة ضعيفة، يمكن إزالتها من الوجود، فتصبح كأن لم تكن شيئا من قبل؛ بسبب استحكام مجموعة من العوامل والظروف المشار إليها آنفا.
كما يصح اعتبار عهد القطب عصرا لتعميم فكرة الإصلاح على وادي ميزاب والتوسيع من رقعتها بعدما كانت منحصرة في بني يزقن؛ مسقط رأسها ونشأتها الأولى. وذلك بواسطة تلاميذه الكثيرين، وبواسطة مريديه ومناصريه خاصة عندما شهد له بالتمكن العلمي، وبلوغ درجة الاجتهاد في مذهبه ثم في عموم الشريعة.
كما أنه من الواضح أن الصورة البارزة التي تجلى بها الإصلاح في عهد القطب تمثل في جانبه العلمي والتعليمي، كأولوية لم يتنازل عنها الشيخ ولم يتراخ فيها طوال حياته، وهو بذلك كان مواصلا للجهود السابقة في التأليف والتدريس، فمكن للنهضة في جانبها هذا.
ونستطيع القول إن تراثه العلمي مثل الزاد الكافي الذي وظفته النهضة طوال فتراتها القادمة، واعتمدت عليه كثيرا؛ فما تزال كتبه في صدارة الترتيب من حيث
الأهمية والعمق والتجديد في معرفة آراء الإباضية في مختلف فنون الشريعة.
كما أن عهد الشيخ اطفيش برز فيه التدريس من خلال معهده بصورة لم تكن مألوفة في وادي ميزاب من حيث الضبط والإدارة والتنظيم والبرمجة، حيث استطاع الشيخ بما وهبه الله من جدية في العمل وإيمان برسالته أن يطور معهده وأن ينظمه حتى صيره صورة لما عليها الجامعات في كبرى الحواضر الإسلامية آنذاك. كما برزت آثار القطب من خلال طلبته الذين تلقوا العلم على يديه، حيث استطاع أن يكونهم تكوينا معمقا ومتكاملا، جمع بين بناء الشخصية الإسلامية القويمة القوية والتكوين العلمي الرصين، فتأثروا به تأثرا بليغا، وانطبعوا بشخصيته
وحملوا أفكاره.