معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر
الجزء ١ · صفحة ٢٧٧المبحث الثالث: مفهوم الجمود في عهد الحركة الإصلاحية
245
والعزابة والأعيان مثل هذه الأمور الدنيئة المخزية، التي وظفوا فيها المساجد وحلقات العزابة والهيئات العرفية، وانحرفوا بها عن دورها الديني الحضاري في تلك اللحظات من الزمن لأجل خدمة مصالح باطلة ولأجل ضرب حركة الإصلاح ومحاربة زعيمه الشيخ بيوض. إذ تحدثنا الوثائق أن اجتماعات عقدت لبعض هؤلاء باسم حلقات العزابة لأجل إدانة الشيخ بيوض ورفقائه، ولأجل تدبير المكايد لاعتراض طريقه، ثم تهربوا منه حينما طلب ملاقاتهم، وطلب مناظرتهم لأجل استبيان الحق في فتاويه واجتهاداته ومواقفه وأعماله التي أدين من أجلها.
كما تحدثنا الوثائق عن تورط بعض هؤلاء في ربط علاقات مع المستعمر وتقديم تقارير كاذبة ورسائل مغرضة حول الشيخ بيوض وحركته لأجل إدانته وكانت تحمل إمضاءاتهم، كما سلطوا منابر المساجد على شخصه فقذفوه بأثقل الأوصاف، ورموه بأعظم التهم، فقالوا عنه، فاسق كافر، ملحد، وأعلنوا براءتهم وبراءة المجتمع منه (1).
من جهة أخرى لنا أن ننظر إلى كل هذا الذي حدث بالمنظار البشري، وبمنظار التدافع الحضاري والصراع الفكري، الذي تعيشه كل المجتمعات، فنقول إن هؤلاء أناس عملوا واجتهدوا فأصابوا وأخطؤوا واختلفت وجهات نظرهم في تقويم قضايا عصرهم، وفي سبل تحقيق المصالح لمجتمعهم ورد المفاسد عنه؛ فأدى بهم الحال إلى ما أدى من خلاف ونزاع وشقاق.
فكان لهذا الصراع وهذا التدافع الأثر الإيجابي الكبير على وادي ميزاب بجانب هذه السلبيات الجسيمة من تفعيل جوانب الحياة العامة وكسر ركودها، ومن بروز قادة الإصلاح، وتنظيم صفوفهم وتعاونهم وتكاتفهم وتجندهم وراء
(1) تراجع في ذلك الكتب الآتية بكلي مسيرة الإصلاح كله دبوز: أعلام الإصلاح، ج 4، كله. ج 5، ص 69 70. أبو اليقظان: إرشاد الحائرين كله. اطفيش: الدعاية إلى سبيل المؤمنين كله. الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب، ص 202151