معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر (1157هـ/1744م - 1382هـ/1962م) قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج

معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر

الجزء ١ · صفحة ٤٠٦

374

الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته

المبحث الثالث:

الهيئات العرفية

مكانة

نعتبر الهيئات العرفية التي ينطوي عليها المجتمع الإباضي في وادي ميزاب أطرا لتجسيد الفكر الإصلاحي، ومؤسسات لتوطيد أركان النهضة الإصلاحية في جوانب الحياة الاجتماعية المختلفة، ذلك لما تحظى به هذه الهيئات من موقرة لدى جماهير الناس، ومن وقع على نفوسهم، ومن أثر في سلوكهم، ومن انقياد في عقولهم. ورثت هذه المكانة المعتبرة داخل المجتمع الإباضي بتراكم جهودها وإخلاص نصحها في مسيرة ألف عام من الزمن.

سبق لنا في مباحث سابقة التعريف بهذه الهيئات ودراسة أوضاعها، وعرض جهودها في سبيل خدمة المجتمع والمحافظة عليه، كما سبق أن بينا أن الفضل الأكبر يعود إليها في بقاء هذا المجتمع يحمل في عمومه طابع الصلاح، وبصمات الحضارة الإسلامية الأصيلة التي لم تشهد انقطاعا أو انفصاما بينا رغم كل ما سجلنا عليها من ضعف وهوان بين الفينة والأخرى، ومن سلبيات اعترتها في مسيرتها التاريخية الطويلة، لذا يصح لنا أن نعتبر هذا النظام العرفي هو العمود الفقري الذي قام عليه المجتمع الإباضي في وادي ميزاب.

نستطيع أن نضيف فنقول إن فهم حقيقة إباضية الجزائر، ورسم صورتهم الاجتماعية، وإدراك حركيتهم التاريخية، وتحديد مسارهم الحضاري؛ لا يمكن أن يتم خارج هذه الهيئات أو بعيدا عن هذه النظم، ذلك لتغلغلها فعلا في أعماق المجتمع، وضرب جذورها في أطنابه خلال كل هذه الفترة الزمنية الطويلة، التي كانت فيها هذه المؤسسات تسير شؤون المجتمع وتتولى الحكم فيه؛ مما أضحى من غير الموضوعي، ومن غير العلمي فصل هذا عن ذاك في عملية الدراسة والتقويم.