معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر (1157هـ/1744م - 1382هـ/1962م) قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج

معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر

الجزء ١ · صفحة ٤٠٧

المبحث الثالث: الهيئات العرفية

375

لقد أثبتت هذه الهيئات جدارتها في الميدان وتمكنت من كسب الثقة العمياء لجماهير الناس فيها، لما قدمته لهم من خدمات ومنافع، ولما مثلت لهم من قيادة اجتماعية ودينية راشدة على أساس القدوة والنموذج العملي لاستقامة السلوك، وللالتزام بالأوامر والنواهي، والعمل بالأعراف المشرعة، وبالتقدم والإمامة في

الدين والحياة.

يقول الشيخ صالح سماوي مبينا هذه القيمة ومشيرا إلى هذه المكانة في نفوس الناس: قيمة المشايخ والعزابة لدى العامة مرموقة، تظهر فيها البراءة والصدق، ونظرة إكبار وإعجاب فكان التعامل معهم باحترام ووفاء وإخلاص مما أدى إلى الاستسلام لرأيهم أو نظريتهم أو الحكم والفصل فيما يشكل عليهم أو يستفسرونه» (1).

إن الجهود المتواصلة لهذه الهيئات العرفية طوال هذه المدة على مختلف الأصعدة الاجتماعية أصبحت بموجبها تمثل موروثا حضاريا ثقيلا، وعاملا اجتماعيا معقدا، ورابطا نفسانيا مركبا له أثره وفعاليته في أي حدث اجتماعي، وله حسابه في أي معادلة تحصل في وادي ميزاب

تتمثل هذه الهيئات أساسا في نظام العزابة الهرمي، بما ينطوي تحته من مؤسسات عرفية مساعدة على تسيير المجتمع وتوجيهه من مجالس العشائر والأعيان والشباب والنساء.

بواسطة هذه الهيئات العرفية كانت لعبة السياسة والحكم تدار في وادي ميزاب وتحرك خيوطها، وبواسطتها كانت الأحداث تصنع والقرارات تتخذ والأعراف تشرع والخطط تنفذ.

رغم تعاقب السلط السياسية على الجزائر وعلى وادي ميزاب طوال هذه الحقبة الزمنية من سلطة الأتراك إلى سلطة الاستعمار الفرنسي إلى عهد الاستقلال

(1) سماوي العزابة، حل 3، ص 1027.