معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر (1157هـ/1744م - 1382هـ/1962م) قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج

معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر

الجزء ١ · صفحة ٤٢٣

المبحث الرابع: الأطر والمؤسسات الحديثة

391

في مجالات الحياة المختلفة من تسيير وتجهيز وتشريع وتنفيذ كان وراء هذه الأهمية التي نظرت بها الحركة الإصلاحية لهذه الأطر الجديدة، رغم كل المخزون الحضاري العريق والثري الذي يحظى به هذا المجتمع في جانب التأطير والتسيير والتنظيم. ورغم كل التشبث والتقدير لهذه النظم كما سبق أن بينا ذلك.

لاشك أن هذا المنحى والتوجه ليكشف لنا عن مستوى النضج والتجربة والخبرة التي ولدت هذا التفتح وسعة الأفق والاستفادة من الآخر والتفاعل الإيجابي مع متطلبات الحياة؛ التي أضحت سمة بارزة ومعلما واضحا لدى الحركة الإصلاحية تتمتع به وتتحلى به كخصلة مميزة في جوانب كثيرة من مشروعها الحضاري.

في حقيقة الأمر إن تأكيدنا على هذا التوجه لدى الحركة الإصلاحية لكونه جديدا على وادي ميزاب بهذه الصورة، ولكون التيار السائد فيه لا يزال إلى الآونة الأخيرة يخالف هذا المنحى ويعارضه ويرى التعامل مع مؤسسات الدولة الاستعمارية وسلطاتها ينافي مبادئ الدين وقيم الإسلام ويعني إعانتها على الظلم والطغيان ونشر الباطل والكفر

(1)

إن مبدأ الحركة الإصلاحية في تبني فكرة العمل داخل هذه الأطر نابع من قناعتها بكونها آليات ووسائل يتم من خلالها خدمة مصالح المسلمين وصيانتها والحفاظ عليها، ويكونها آليات ووسائل لتسيير شؤون البلاد والعباد، وجلب الصلاح لهم ودرء الفساد عنهم، ومن خلالها تضفي على نشاطها الاجتماعي والتربوي والتعليمي الصبغة القانونية وتستمد الشرعية والاعتماد لدى السلطات الاستعمارية مما يسمح لها بمزاولة نشاطها بحرية وبصفة علنية قانونية، تحجب عنها المساءلات والمضايقات والملاحقات والمتابعات.

بذلك فإن الحركة الإصلاحية اعتبرتها من الواجبات التي لا يتم الواجب إلا بها. ومن الضروريات التي يمكن أن تبيح بعض المحظورات. لكون السلطات

(1) بكلي: مسيرة الإصلاح، ص 91 - 99 دبوز: اعلام الإصلاح، ج 5، ص 47 - 54.