معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر
الجزء ١ · صفحة ٤٦٩المبحث السادس: القاعدة الاقتصادية
437
كما يتضح فيها اعتزاز الرجل بشخصيته الاجتماعية والعلمية واقتناعه بها إلى أبعد الحدود، واستغنائه عن غيره من الفقهاء المتقدمين عليه والسابقين له في حقل العلم والفتوى والموعظة. وأحيانا احتقاره لبعضهم واستهانته بآرائهم وتسفيهه لعقولهم؛ كما يفهم من بعض خطاباته ودروسه وأقواله عنهم المبثوثة في الكتب والوثائق (1)
على كل؛ هذه بعض مخلفات ومطبات القيادة والريادة والزعامة والشهامة. في آخر المطاف نقول: إن الحركة الإصلاحية بفضل إخلاص مشايخها وجهودهم الدعوية والتربوية المتواصلة نجحت إلى حد بعيد في توفير القاعدة الاقتصادية لتمويل منجزاتها الحضارية، كما نجحت في المزاوجة الصحيحة بين المال والعلم، وفي جعل أحدهما يخدم الآخر، كما نجحت في أخلقة المال، ووضعه في موضعه الصحيح من العملية الإصلاحية وفي مسار بناء الحضارة، فلم يهيمن عليها، ولم يؤثر على اختيار نهجها، ولم يتدخل في اتخاذ قراراتها، كما لم يعمل على فرض نفسه بالقوة في مراكز القيادة أو التسيير.
حيث قيض الله تعالى لمشايخ الإصلاح ثلة من رجال الأعمال والتجار الأثرياء، ممن نهلوا فعلا الفكر الإصلاحي وتربوا فعلا بأخلاقه والتزموا فعلا بنهجه، وأحبوا فعلا مشايخه، فخدموهم وخدموا النهضة الإصلاحية بكل إخلاص وتضحية، وبذل وكانوا رهن إشارات مشايخهم، وطوع أوامرهم وتوجيهاتهم. وفي حقيقة الأمر كان ذلك ثمرة تلك الجهود الدعوية المضنية للشيخ بيوض ورفقائه وغيره من المشايخ على منابر المساجد لنصف قرن من الزمن ويزيد، وكذا ثمرة معاهدهم ومدارسهم التي خرجت صنعة أيديهم؛ في دفعات متتالية لأجيال من الشباب الذي عمر ميادين العمل والتجارة؛ متشبعا بالفكر البيوضي ومقتنعا بالنهج والمسيرة المتبعة وواضعا الثقة التامة في قيادته ومنفقا بسخاء على منجزاته الحضارية.
(1) يراجع في ذلك مثلا بكلي: مسيرة الإصلاح، ص 120 - 123. دبوز المرجع نفسه، ج 5، ص 70 - 75.