معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر (1157هـ/1744م - 1382هـ/1962م) قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج

معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر

الجزء ١ · صفحة ٤٦٨

436

الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته.

مرة أخرى تثور ثائرة رموز تيار المحافظة والجمود وتهيج عاصفتهم على هذه. الفعلة البيوضية النكراء، فلا يدركون أبعادها، ومقاصدها، فيثورون ضد هذا الاجتهاد الخارق للمعهود في المذهب، ويعارضونه بشدة، ويرون فيه إهانة لهم ووثبة عليهم، وتحديا للهيئات العرفية من حلقات العزابة وأعرافها وسيرها وتطاولا على علماء ومشايخ وادي ميزاب الحاضرين والسابقين. فرموه بمختلف النعوت واعتبروه خارجا عن الدين وعن المذهب، وعاصيا للمجتمع ومتنكرا لسير الأجداد والآباء (1).

يصف الشيخ بيوض الآثار السلبية لفتواه بقوله: كان لنا في العشرينيات بعض اتصالات بالعلماء المعارضين البارزين، ولما جاءت مسألة المكس هذه طفح بها كيل عداوتهم لي وللإصلاح فانغلقت الأبواب بيننا، واستمروا في محاربتنا ومعارضتنا في أعمالنا» (2).

يقرأ في هذه الفتوى للشيخ بيوض قوة شخصيته واستقلاليتها، واتصافها بالمبادرة والتحدي، كما يقرأ فيها نضج فكره المبكر، وتحرره من القيود المذهبية والعرفية، ولو أدى ذلك إلى إغضاب معاقل العلم والفتوى في وادي ميزاب ودون أي مبالاة أو خشية من ردود فعلها مهما كانت.

حسب رأيي فإن هذه الفتوى تعد نوعا من التحدي الصارخ واستعراض العضلات وحماسة الشباب واندفاعه - فالشيخ لا يزال في العشرينيات من عمره رغم معقولية وجهة نظره إلى حد بعيد، إلا أن الطريقة الاستعراضية التي قدم بها فتواه للمجتمع وعدم التمهيد لها بمناقشة الموضوع مع المراجع الفقهية في وادي ميزاب أو استشارتهم فيها هي التي تعد خاطئة، ويلام عليها الشيخ بيوض، وهي التي تسببت في قلب الطاولة عليه، وكان بإمكانه أن يسلك طريقا آخر وأن يسير بالتدرج والرفق فيه

(1) بكلي: مسيرة الإصلاح، ص 123. دبوز: أعلام الجزائر، ج 5، ص 74 - 75.

(2) دبوز: المرجع نفسه، ج 5، ص 75.