معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر
الجزء ١ · صفحة ٤٨٢450
الفصل الخامس: أطر الإصلاح ومؤسساته
الإصلاحية في نفوسهم، وتوضيح مفهومها ورسم معالمها لديهم، خاصة في أبعادها الوطنية والإسلامية والعالمية.
رغم عدم وقوفنا على تصريحات واضحة أو شواهد بينة لرجال الإصلاح وللشيخ بيوض بالذات على ذلك، إلا أن مذهبنا هذا مستند على تلك الصداقة والزمالة الوطيدة التي جمعت هذه الكوكبة من الرجال والشباب، وعلى تلك المعاشرة اللصيقة التي جمعت الرجلين أبا اليقظان وبيوض منذ سن مبكرة من حياتهما، وجعلت روحيهما تتلاقيان وتتألفان وتتعانقان.
والشاهد الآخر أن الشيخ بيوض لم يحظ بما حظي به الشيخ أبو اليقظان من السفر خارج وادي ميزاب والاطلاع على الأوساط الإسلامية الأخرى، حيث قضى مرحلة تكوينه في معهد شيخه الحاج عمر بن يحيى في بلدته القرارة، فحرم بذلك من معايشة البعد الوطني الإسلامي، فكان الشيخ أبو اليقظان من له فضل سد هذا النقص في شخصيته القيادية، فبنى فيه هذا الجانب وسد فيه هذه الثغرة. وقد أحس الشيخ بيوض فعلا بهذا الخلل في تكوينه، فحاول استدراكه من خلال قيامه بأسفار ورحلات في أرجاء الجزائر مع أحد كبار أعيان الإصلاح وزعمائه السياسيين في وادي ميزاب آنذاك، وهو السيد الحاج بكير العنق، الذي يعتبره الشيخ بيوض أستاذه في السياسة والفكر، كما حاول استدراك ذلك بعقد رحلة إلى تونس سنة 1344 هـ/ 1925 م لأجل معاينة الحركة العلمية والسياسية فيها، رغم أن ظروفه لم تمكنه من المكوث فيها طويلا للاستفادة والتقصي. من الغريب أننا نجد الشيخ بيوض يقر صراحة في أكثر من موضع من رسائله وخطاباته بأفضال السيد الحاج بكير العنق على تكوينه السياسي)، ولا نجد ما يماثل ذلك من ذكر أفضال الشيخ أبي اليقظان على تكوينه – في حدود اطلاعي طبعا - رغم كل علاقات المحبة والمودة والوفاء التي جمعت الرجلين القائدين طوال مسيرتهما الجهادية الإصلاحية الطويلة.
(1) انظر مثلا ناصر: الشيخ بيوض مصلحا وزعيما، ص 296 - 301.