معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر (1157هـ/1744م - 1382هـ/1962م) قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج

معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر

الجزء ١ · صفحة ٥٧٦

544

الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي

واكب إنشاء هذه الداخلية إرساء نظام محكم لها وانتقاء إدارة حازمة وتخصيص برنامج منظمة في تسييرها، مما يضمن التحكم التام في أوضاع الطلبة والعشرة الطيبة بينهم، وتنشئتهم على السلوك الحسن والأخلاق الحميدة، فهم قد قدموا من بيئات مختلفة، كل بطباعه وعوائده ونمط عيشه، مما يستلزم هذا الحزم والحرص، وكذا توفير الجو اللائق لتفريغهم لتحصيل العلم، مع تدريبهم على القيام بأعمال اجتماعية كثيرة وأنشطة ثقافية ورياضية متنوعة.

كان مشايخ المعهد يشرفون بأنفسهم على تعيين رؤساء الداخلية ويختارونهم بعناية من بين طلبتهم الحازمين الناجحين المتخلقين كما يحرصون على متابعة أخبارها ومسايرة أحداثها، وزيارتها بانتظام وتفقد أحوالها والتدخل المباشر عندما يستدعي الأمر ذلك (1)

استطاعت هذه الداخلية التي أصبحت تعرف في القرارة بالبعثة البيوضية؛ تكوين الطلبة تكوينا صارما في أخلاقهم وفي سلوكهم، وتعويدهم على روح الجماعة والتضحية والبذل، وحاربت فيهم الأنانية وحب الذات والانزواء والتقوقع على النفس، وعودتهم على الخشونة في العيش، وعلى الاعتماد على النفس في القيام بكل المهام والأعمال التي يحتاج إليه الإنسان في حياته، ودربتهم على الأعمال الاجتماعية والأنشطة الثقافية وعلى الرياضة البدنية، فكان نظامها إلى حد ما يشبه نظام الثكنات العسكرية (2).

استطاعت برؤسائها وإدارتها ونظامها أن تطبع بصمتها بقوة في شخصية أي طالب يلتحق بها، حيث صيرت منهم رجالا فرسانا أشداء، قادرين على تحمل مصاعب الحياة باقتدار واصطبار ومسؤولية، حتى أصبح الطالب الذي قضى فترة زمنية في القرارة وعاش في داخليتها ودرس في معهدها يعرف من تصرفاته ومن نمط حياته دون أن يصرح بذلك.

(1) دبوز نهضة الجزائر الحديثة، ج 3، 148 - 178. (2) القرادي مقال بعنوان دور داخلية الحياة بالقرارة. منشور ضمن كتاب القرادي: الشيخ القرادي حيات

و آثاره، ص 11592