معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر (1157هـ/1744م - 1382هـ/1962م) قاسم بن أحمد الشيخ بالحاج

معالم النهضة الإصلاحية عند إباضية الجزائر

الجزء ١ · صفحة ٦٢٤

592

الفصل السادس: الإصلاح التربوي التعليمي

انقسم المجتمع تجاه هذا الأمر إلى فريقين؛ فريق معارض ساخط على هذه التصرفات غير المسؤولية، وفريق موافق متحمس مشجع أصحاب الفكرة للمضي قدما في سبيلها وعدم الإنصات لهذه الإشاعات لما لمسه من صدق أصحابها واستقامتهم، ولما رآه من الثمار التي أصبحت تجنى من ورائها (1). مما يبدو أن القائمين على البعثات أنفسهم قد ذهلوا لما يروج عنهم، ولما تصلهم من أنباء وأخبار عن تصرفات هؤلاء الفقهاء والعزابة، ويبدو أنهم حاولوا مسك أعصابهم وعدم الاندفاع خلف ردود الفعل والإشاعات المروجة عنهم، واعتبروها عاصفة ستمر وينتهي شأنها بعد أن يتعود المجتمع على هذا الأمر الجديد، إذ من عادة المجتمعات المحافظة المتشددة أن ترفض أي أمر جديد عليها، ثم ما تلبث أن تتوافق معه وتتقبله عندما تلمس فوائده وتتأكد من عدم ضرره عليها. من جهة أخرى أدركوا أن رد فعل هؤلاء المشايخ العزابة نابع من حرصهم على سلامة المجتمع وتخوفهم عليه من الانحراف أو الفساد، كما أن هؤلاء في الأخير هم مشايخهم وعزابتهم الذين يجب عليهم توقيرهم واحترامهم وتقدير جهودهم المضنية في الوعظ والإرشاد والعمل الاجتماعي.

مما يبدو أن تمادي أصحاب هذه الدعوة في التشنيع ومبالغتهم في ذلك وتكذيبهم للحقائق المحصلة في هذه البعثات حتى سودوها في أعين العامة، ووسخوا صفحات القائمين عليها؛ جعلهم يغيرون موقفهم ويرون ضرورة الدفاع عن أنفسهم وعن أعراضهم، وعن مشروعهم الذي أصبح يهتز بهذه الحملة، وأصبح مهددا بالزوال إن التزموا الحياد والصمت ولم يبينوا للناس ما يرونه يمثل الحق.

كان أول رد فعل يصدر من هذا الشاب المبادر الطموح أبي اليقظان بنشر مقال في جريدة الإقدام للأمير خالد الجزائري بعنوان: هل يستوي الذين يعلمون والذين

(1) قاسم: أقلام الميزابيين في الصحافة التونسية، ص 12 - 18.