الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٢٢قواعد الإس
الفصل السادين
في الْبَرَاءَةِ مِنَ الخارج مِنْ مَذْهَبِ أَهْلِ الحَقِّ إِلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْخِلَافِ
فَمَن خَرَجَ مِنْ مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَقِّ إِلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْخِلافِ فَتَوَلَّى أَئِمَّتَهُمْ وَتَبَرَّأَ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ كَانَ وَاجِبًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ بُعْضُهُ وَعَدَاوَتُهُ وَخَلْعُ وِلايَتِهِ حَتَّى يَتُوبَ وَيَرْجِعَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، فَيَتَوَلَّى وَلِيَّهُمْ وَيُعَادِي عَدُوَّهُمْ، وَإِنْ خَرَجَ مِنْ مَذْهَبِ الْمُسْلِمِينَ وَخَالَفَهُمْ وَطَعَنَ فِي مَذْهَبِهِمْ وَعَابَهُ مِنْهُمْ فَقَدْ حَلَّ قَتْلُهُ وَاغْتِيَالُهُ بِأَيِّ سَبَبٍ وَصَلُوا إِلَى إِهْلَاكِهِ وَقَتْلِهِ، كَمَا فَعَلَ الإِمَامُ الصَّالِحُ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ
(1) ،
(1) جَابِرُ بْنُ زَيْدِ الأَزْدِيُّ: هُوَ التَّابِعِيُّ الْجَلِيلُ وَالْبَحْرُ الزَّاخِرُ الَّذِي أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: أَدْرَكْتُ سَبْعِينَ بَدْرِيًّا، فَحَوَيْتُ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا الْبَحْرَ الزَّاخِرَ، يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ نَعَمْ صَاحَبَهُ وَغَرَفَ مِنْ بَحْرِهِ الْعَذْبِ الطَّامِي مَا شَاءَ لَهُ اسْتِعْدَادُهُ، فَتَأَلَّفَتْ شَمْسُهُ فِي سَمَاءِ ذَلِكَ الْعَصْرِ الذَّهَبِي خَيرِ العُصورِ الَّذِي كَانَ يَزْخَرُ بِأَئِمَّةِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ، حَتَّى نَالَ إِعْجَابَ شَيْخِهِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ فِي حَقَّهِ: (عَجَبًا لأَهْلِ الْعِرَاقِ كَيْفَ يَحْتَاجُونَ إِلَيْنَا وَعِنْدَهُمْ جَابِرُ بْنُ زَيْدِ! لَوْ قَصَدُوا نَحْوَهُ لَوَسِعَهُمْ عِلْمُهُ، وَذَاتَ مَرَّةٍ سَمِعَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَائِلاً يَقُولُ: مَنِ الْمُصَلِّي فَوْقَ الْكَعْبَةِ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لَهُ؛ لَأَنَّهُ لَا قِبْلَةَ لَهُ)، فَقَالَ: إِنْ كَانَ جَابِرٌ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْبِلادِ فَهُوَ مِنْهُ، فَكَانَ الْأَمْرُ كَمَا تَفَرَّسَ. أَمَّا إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ فَقَدْ قَالَ: (رَأَيْتُ الْبَصْرَةَ وَمَا فِيهَا مُفْتِ غَيْرُ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ). كَانَ إِمَامَ الْمَذْهَبِ الْإِبَاضِيِّ الأَوَّلَ الَّذِي أَرْسَى قَوَاعِدَهُ وَأَحْكَمَ بُنْيَانَهُ، فَانْحَدَرَتْ مِنْهُ نِسَبَهُ الدِّينِ، وَكَانَ مِمَّنْ يَرْوِي عَنْهُ الإِمَامُ الْبُخَارِيُّ الْحَدِيثَ، وَتَخَرَّجَ عَلَيْهِ عُلَمَاءُ مُجْتَهِدُونَ، مِنْهُمْ: أَبو عُبَيْدَةَ مُسْلِمُ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ التَّمِيمِيُّ الإِمَامُ الثَّانِي لِلْمَذْهَبِ الإِبَاضِي وَضُمَامُ بْنُ السَّائِبِ، وَأَبُو نُوحٍ صَالِحُ الدَّمَّانُ، وَجَعْفَرُ بْنُ السَّماكِ الْعَبْدِيُّ، وَصَحَارٌ الْعَبْدِيُّ، وَأَضْرَابُهُمْ كَثِيرُونَ، أَلَّفَ دِيوَانَهُ الْمَشْهُورَ بِدِيوَانِ جَابِرٍ الَّذِي