الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٨٠180
خِلافِ مُقْتَضَى الشَّرْعِ شَرٌّ آخَرُ، فَإِنْ عَرَفَهُ فَهُوَ مُعَانِدٌ لِلشَّرْعِ، وَإِنْ جَهِلَهُ كَانَ عَاصِيَا بِالْجَهْلِ وَارْتِكَابِ الْفِعْلِ إِذْ طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ)، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ.
وَأَمَّا الإخلاص: فَمَعْنَاهُ إِخْلاَصُ الْعَمَلِ وَتَصْفِيَتُهُ مِنْ شَوَائِبِ الْكُذُورَاتِ مِنَ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَحُبِّ الثَّنَاءِ وَالْمَحْمَدَةِ حَتَّى يَصِيرَ خَالِصًا مُخْلِصًا لِوَجْهِ اللَّهِ، عَارِيًا مِنْ حُظُوظ النَّفْسِ الْمُخْتَصَّةِ بِهَا فِي الدُّنْيَا مِنْ جِهَةِ الْخَلْقِ، قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: الايته الدين الخالص) (2) وَقَالَ: {إِنَّ الْمُتَّفِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ
لَهُمْ نَصِيرًا إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخَلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ اله (3). وَأَمَّا الصِّدْقُ: فَيُسْتَعْمَلُ لَفْظُهُ فِي سِتَّةِ مَعَانٍ: صِدْقٌ فِي الْقَوْلِ، وَصِدْقٌ فِي النية وَالإِرَادَةِ، وَصِدْقٌ فِي الْعَزْمِ، وَصِدْقٌ فِي الْوَفَاءِ بِالْعَزْمِ، وَصِدْقٌ فِي الْعَمَلِ، وَصِدْقٌ فِي تَحْقِيقِ مَقَامَاتِ الدِّينِ، فَمَنِ اتَّصَفَ بِالصِّدْقِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْمَعَانِي فَهُوَ الصِّدِّيقُ؛ لأَنَّهُ مِنَ الْمُبَالَغَةِ فِي الصِّدْقِ، كَمَا قِيلَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عَنِ الْكَمَالِ فَقَالَ: قَوْلُ الْحَقِّ وَالْعَمَلُ بِالصِّدْقِ (4)، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ امَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أَوَلَيْكَ هُمُ الصِّدِيقُونَ﴾ (5)، وَمَنِ اتَّصفَ بمعنى مِنَ الصِّدْقِ مِنْ هَذهِ
(1) تَقَدَّم. (2) الزمر: 3.
(3) النِّسَاء: 146.
(4) كَانَ الْعَبَّاسُ يَلْبَسُ الثِّيَابَ النَّقِيَّةَ الْبَيْضَاءَ، فَجَاءَ يَوْمًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ أَبْيَضُ، فَلَمَّا نَظَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم تَبَسَّمَ، فَقَالَ العباسُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا الْجَمَالُ؟ قَالَ: "صَوَابُ الْقَوْلِ بِالْحَقِّ"، وَقَالَ: فَمَا الْكَمَالُ؟ قَالَ: "حُسْنُ الْفِعْلِ بِالصِّدْقِ" [رواه الحكيم الترمذي: نوادر الأصول في أحاديث الرسول، في أن كمال المرء سبع، 36/ 4]. (5) الْحَدِيد: 19.