قواعد الإسلام إسماعيل بن موسى الجيطالي أبو طاهر

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٧٩

اعْلَمْ أَنَّ النِّيَّةَ إِنَّمَا تُؤَشِّرُ فِي الطَّاعَاتِ وَالْمُبَاحَاتِ دُونَ الْمَعَاصِي وَالسَّيِّئَاتِ، أَمَّا أَعْمَالُ الطَّاعَاتِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَنْوِيَ فِي كُلِّ عَمَل مِنْهَا أَنْ يَمْتَثِلَهُ عِبَادَةٌ لِلهِ تَعَالَى وَتَقَرُّبًا بِهِ إِلَيْهِ.

-

فَحَقِيقَةُ النِّيَّةِ فِي الطَّاعَةِ: انْبِعَاثُ الْقَلْبِ وَالتَّحَرِّي إِلَى مَرْضَاةِ الرَّبِّ، فَنِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ كَمَا جَاءَ الْحَدِيثُ (1) وَمَعْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ: اعْلَمْ أَنَّ النِّيَّةَ فِي نَفْسِهَا خَيْرٌ مِنَ الأَعْمَالِ إِذَا كَانَتْ لا تَصِحُ إِلا بِهَا، أَوْ نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ اعْتِقَادُهُ طَاعَةَ اللَّهِ وَلَوْ عَاشَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَإِنْ مَاتَ دُونَهَا انْقَطَعَ عَمَلُهُ وَلَمْ تَنْقَطِعْ نِيَّتُهُ (2)، فَإِنْ نَوَى بِالطَّاعَةِ رِيَاءٌ وَسُمْعَةٌ انْقَلَبَتْ مَعْصِيَةٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

وَأَمَّا الْمُبَاحَاتُ فَتَنْقَلِبُ طَاعَةٌ بِالنِّيَّةِ، فَلاَ يَنْبَغِي لِلْعَاقِل أَنْ يَتَعَاطَى أَفْعَالَهُ تَعَاطِي الْبَهَائِمِ الْمُهْمَلَةِ فَتَصْدُرُ أَفْعَالُهُ عَنْهُ بِسَهْرٍ وَغَفْلَةٍ، فَأَغَلَبُ حُظُوظ النَّفْسِ مِنَ الْمُبَاحِ، كَالأَكْلِ وَالنَّوْمِ وَالنِّكَاحِ، فَيَنْوِي فِي الْأَكْلِ التَّقَوِّي لِلْجِسْمِ عَلَى الْعِبَادَةِ، وَيَنْوِي فِي النَّوْمِ اسْتَرَاحَةَ الْجِسْمِ لِيَنْشَطَ لِلْقِرَاءَةِ وَالْعِبَادَةِ، وَيَنْوِي بِالنِّكَاحِ تَحْصِينَ الْفَرْجِ، وَإِحْرَازَ الدِّينِ، وَطَلَبَ الْوَلَدِ لِعِبَادَةِ اللَّهِ، وَتَكْثِيرًا لَأُمَّةِ مُحَمَّدٍ، فَيَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ الْمُرِيدِ لِلآخِرَةِ أَنْ يَقِيسَ جَمِيعَ أَفْعَالِ الْمُبَاحِ عَلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَيُحْسِنَ النِّيَّةَ فِي جَمِيعِهَا حَتَّى تَصِيرَ طَاعَةٌ لِلهِ تَعَالَى وَعِبَادَةٌ.

وَأَمَّا الْمَعَاصِي فَلا تُؤَثِّرُ فِيهَا النِّيَّةُ، وَلاَ تَنْقَلِبُ بِهَا لِلهِ تَعَالَى قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ، مِثْلَ أَنْ يَغْتَابُ إِنْسَانًا تَطْيِبًا لِقَلْبِ الْمُسْلِمِ، أَوْ يُطْعِمُ فَقِيرًا مِنْ مَالِ غَيْرِهِ طَلَبًا لِلأَجْرِ، فَهَذَا كُلُّهُ جَهَالَةٌ وَاغْتِرَارُ، لِقَوْلِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ (3)، فَالنِّيَّةُ لَا فِي إِخْرَاجِ الْفِعْلِ عَنْ كَوْنِهِ ظُلْمًا وَمَعْصِيَةٌ، بَلْ قَصْدُهُ الْخَيْرَ بِالشَّرِّ عَلَى

(1) [رَوَاهُ الرَّبيع، باب في النية، را]. (2) وَهُوَ أَظْهَرُ مِنَ الأَوَّلِ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً. (3) [تقدم تخريجه].